الخادمة البريئة

قطارٌ يخترق الريف الإنجليزي، يحمل في مقصوراته ستة غرباء جمعتهم صدفة عابرة. بيد أن هذه الصدفة ليست بريئة، فسرعان ما تتحول الرحلة إلى مسرح جريمة تتقاطع فيه خيوط التهريب، رسائل التهديد، وأسرارٍ دفنها أصحابها عميقاً في قلوبهم. بين محققٍ متقاعد يحاول فك ألغازٍ معقدة، وأمٍ تبحث عن ابنتها الضائعة منذ سبعة وعشرين عاماً، وخادمةٍ تحمل هوية مزيفة، وفتاةٍ تتصالح مع ماضيها، تنكشف طبقات من الغدر والحب والانتقام. لكن اللغز الأعمق لا يكمن في الجريمة الماثلة، بل في تشابك المصائر التي بدت كلها عابرة، فإذا بها عقدة محكمة لا تنفك إلا بمهارة من يرى ما لا يراه الآخرون. رواية لا تمنحك الهدوء حتى تصل إلى الصفحة الأخيرة، وإذ تصل، تكتشف أن النهاية ليست نهاية، بل بداية لعوالم أخرى من الأسرار. الخادمة البريئة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjBPUU6MekyOaVv5leJ12bN3KqULfxQ2DBG43p_gPAsWe5qbH461UTv7GtmTzk2xnMvG3k80JAHnLVRK0ubuG7PnhligNXJuzaenS2DiCxPy5PY6zvBMvojdJpTv7fDCtZYLDosJEolZowmvXseg6ovlRN6X-S02G8KL6QF6HEMiRGd7mtrCaf9_hBEFyk/s320/744.jpg

قطارٌ يخترق الريف الإنجليزي، يحمل في مقصوراته ستة غرباء جمعتهم صدفة عابرة. بيد أن هذه الصدفة ليست بريئة، فسرعان ما تتحول الرحلة إلى مسرح جريمة تتقاطع فيه خيوط التهريب، رسائل التهديد، وأسرارٍ دفنها أصحابها عميقاً في قلوبهم. بين محققٍ متقاعد يحاول فك ألغازٍ معقدة، وأمٍ تبحث عن ابنتها الضائعة منذ سبعة وعشرين عاماً، وخادمةٍ تحمل هوية مزيفة، وفتاةٍ تتصالح مع ماضيها، تنكشف طبقات من الغدر والحب والانتقام. لكن اللغز الأعمق لا يكمن في الجريمة الماثلة، بل في تشابك المصائر التي بدت كلها عابرة، فإذا بها عقدة محكمة لا تنفك إلا بمهارة من يرى ما لا يراه الآخرون. رواية لا تمنحك الهدوء حتى تصل إلى الصفحة الأخيرة، وإذ تصل، تكتشف أن النهاية ليست نهاية، بل بداية لعوالم أخرى من الأسرار.

الخادمة البريئة رواية 744 242 أكتوبر 2023 yes 201091985809 رهام كريشان كاتبة فلسطينية

تفتتح الرواية بمشهد سريع تعرف منه القارئ على ريتشارد ديف، المحقق المتقاعد، وزوجته روز، وقد استقبلا مكالمة هاتفية مفزعة تُعلمهما بتعرض منزل والدة روز للسرقة، وما لبثت أن تحولت هذه العجلة إلى رحلة مفاجئة إلى سوانزي، حيث ينويان الاطمئنان على العائلة. غير أن الرحيل عن محطة ساوث هامبتون لا يكون إلا بداية لسلسلة من الأحداث المقلقة، إذ سرعان ما تصل إلى ريتشارد رسالة تهديد غامضة تذكره باسم ماري ونجومها الستة، وتفتح أمامه باباً لم يكن يتوقعه، فمنذ تلك اللحظة يبدأ القطار الذي يقلهم يتحول إلى مسرح متحرك، حيث لا أحد فيها بريء حتى تثبت العكس. تتناوب السرد بين ريتشارد الذي يحلل كل التفاصيل بعين المحقق، وهيلين، الفتاة الغامضة التي تسافر في القطار نفسه وتحمل في جيبها ماضياً مثقوباً بالخسارات والبحث عن هوية ضائعة، وهو ما يضفي على الرواية بُعدين متوازيين، لكل منهما لغزه الخاص ووتيرته وتوتراته المختلفة.

لا يلبث ريتشارد أن يكتشف أن رفقاءه في المقصورة ليسوا مجرد مسافرين عاديين، فهناك سارة، المرأة العجوز التي تبدو هزيلة، دانيال ألبيرتو الرجل الإيطالي الطيب، جودي الفتاة العنيدة وخطيبها جوزيف، وجميعهم يحملون أسراراً يتكشف بعضها حين ينظر ريتشارد بعين المحقق إلى تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، كالطريقة التي تجيب بها سارة عن الأسئلة أو لهجة دانيال التي لا تخلو من تردد، وهكذا يبدأ التحقيق في هذه الرحلة القصيرة التي لا تتجاوز بضع ساعات، غير أن الأحداث تتسارع حين تصل رسائل تهديد جديدة، ويختفي المدير والسيدة سارة فجأة، وتتضح صورة شبكة تهريب معقدة كانت تعمل على متن القطار، فإذا بريتشارد يجد نفسه وجهاً لوجه أمام عمليات غير مشروعة تتعلق بتهريب التحف والأموال والمخدرات، ولم تكن سارة العجوز الضحية البريئة، بل هي العميلة السرية ماري التي تتعقب العصابة، أما دانيال فهو حبيبها القديم الذي ما زال يحلم بها، وجودي وخطيبها هما من أرسلا رسائل تهديد انتقاماً لماضٍ عائلي مؤلم، وحتى المدير فيرانند متورط مع أخيه جيمي كوربن في التهريب، وهكذا تتكشف شبكة العلاقات المترابطة التي بدت عشوائية في البداية.

على الجانب الآخر، تحمل هيلين داخل دفتَرها الصغير حكاية لا تقل تعقيداً، فهي الفتاة التي نشأت في قصر طبيب شهير، واكتشفت أنها ليست ابنته البيولوجية، وما إن بدأت رحلتها في البحث عن عائلتها الحقيقية حتى التقت بجانت، الفتاة التي ضاعت في حافلة سياحية قبل سبعة وعشرين عاماً، والتي تبين أنها هي الأخرى كانت تبحث عن جذورها، وتكاد القصتان تتطابقان حتى تلتفت الصدفة بهيلين إلى جانب آخر من ماضيها، فها هي تتلقى رسائل تهديد غامضة في القطار، بعضها يحمل أسماء تعني لها الكثير مثل "توم" و"ذكريات عاشق مهاجر"، وبعضها يشير إلى حبيبتها القديمة مريم التي فقدتها في ظروف مأساوية في قريتها التي دمرها الاحتلال، وتدرك شيئاً فشيئاً أن الذي يطاردها ليس مجرد مجهول، بل هو شخص يعرف تفاصيل دقيقة من ماضيها، ربما يكون ذلك العاشق الذي تركته سنوات طويلة أو ربما شخصاً آخر يختفي خلف ظلال الأمل المزيف.

يُبنى التوتر في الرواية على التداخل بين هذين المسارين، فريتشارد الذي يظن أنه يحقق فقط في جريمة تهريب يجد نفسه أمام قصة حب قديمة، وخيانة، وقدرٍ تلاعب بأقدار الناس بلا رحمة، وهيلين التي تكتب مذكراتها كآخر عهد لها بالحياة، تدرك أنها قد تكون أمام مواجهة أخيرة مع من تركها، ومع الحقيقة الأكثر إيلاماً عن هويتها وحقيقتها. غير أن المفاجأة الأكبر تأتي في المحطة الأخيرة، حيث يلتقي ريتشارد بأمه التي لم يرها منذ عقود، والتي اتُهمت بقتل سيد القصر وعملت خادمة طيلة حياتها، لتكتمل سلسلة المصائر المتشابكة التي تركت أثرها في كل شخصية من شخصيات الرواية، وتنتهي الرواية على وعد بجزء ثان، فلا شيء قد انتهى حقاً، والأسرار التي طواها الزمن ما زالت تنتظر من ينفض عنها الغبار.