عندما انحنت ناطحة السحاب

ناطحة سحاب تنحني، لا بفعل زلزال أو إعصار، بل باستجابة لحلم رجل عابر. جابر خمذن يكتب رواية تقلب الهندسة المعمارية رأساً على عقب، وتجعل من صرح زجاجي شاهق كائناً ينحني كالجسر ليصافح البؤساء في الأسفل. هذا الكتاب ليس عن عمارة، بل عن حلم مدهش يتحول إلى هوس، ثم إلى جنون جمعي. سعيد يريد أن يجعل الناطحة تركع، لكنه لا يدري أن انحناءتها ستكشف أسراراً لا تُحتمل في داخلها. من اجتماعات نخبوية فوق السحاب إلى ممرات معتمة تحت الأرض، ومن صالونات التجميل الغريبة إلى غرف توشم الأجساد بأحلامها. رواية تنسج الواقع بالحلم، وتجعل من مدينة عادية مسرحاً للرؤى والأساطير، حيث النساء إغراء ونزوة، وحيث كل طابق في العمارة عالم يختلف عن الآخر. عندما انحنت ناطحة السحاب كتاب لا يُقرأ، بل يُعاش ككابوس يقظة جميل، يطرح سؤالاً مصيرياً: ماذا لو انحنى صرح كبريائنا ليرى من هم في الأسفل؟ عندما انحنت ناطحة السحاب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjjUb9bsZYIufN9I4umcRfE-WgISYOTyL4ENeyuDdRVdTcfRKyzA1OCMNRkOsd028sXPcSPK8SBs54cbntCIoGSUsr27zz4-IXkTgxDt7f_Q5kHJ0_caVahh-7rczbiYnV7bE6WuwtnYDjvqQd8XVXie4NAVY_uWCdDIg5cxBUIi3c-XX7PKqHZydIIWoA/s320/769.jpg

ناطحة سحاب تنحني، لا بفعل زلزال أو إعصار، بل باستجابة لحلم رجل عابر. جابر خمذن يكتب رواية تقلب الهندسة المعمارية رأساً على عقب، وتجعل من صرح زجاجي شاهق كائناً ينحني كالجسر ليصافح البؤساء في الأسفل. هذا الكتاب ليس عن عمارة، بل عن حلم مدهش يتحول إلى هوس، ثم إلى جنون جمعي. سعيد يريد أن يجعل الناطحة تركع، لكنه لا يدري أن انحناءتها ستكشف أسراراً لا تُحتمل في داخلها. من اجتماعات نخبوية فوق السحاب إلى ممرات معتمة تحت الأرض، ومن صالونات التجميل الغريبة إلى غرف توشم الأجساد بأحلامها. رواية تنسج الواقع بالحلم، وتجعل من مدينة عادية مسرحاً للرؤى والأساطير، حيث النساء إغراء ونزوة، وحيث كل طابق في العمارة عالم يختلف عن الآخر. عندما انحنت ناطحة السحاب كتاب لا يُقرأ، بل يُعاش ككابوس يقظة جميل، يطرح سؤالاً مصيرياً: ماذا لو انحنى صرح كبريائنا ليرى من هم في الأسفل؟

عندما انحنت ناطحة السحاب رواية 769 252 يناير 2025 yes 201091985809 جابر خمدن كاتب بحريني https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgST3Vh3prbQgLBzGPqdwu5iWka0aYGtWrotVHMrPhsTnjPO3VOPEEn-FqDQI3e0d2lF4tcgM_NapUO1hDqklw7aMtaPQB1EF02CQOuK9QyJ2lwD6B6nZ5lEb7vXbBSmoXk4MiNNPDSchBckiB89rQoplVEETTWY8mZIgcAG1l5yJheeuK4ssbZLIO8hfg/s800/%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%B1-%D8%AE%D9%85%D8%AF%D9%86.jpg

رواية جابر خمذن ليست حكاية مدينة فحسب، بل هي تشريح لحالة إنسانية كاملة، تبدأ من الأرض المتواضعة حيث الأزقة الضيقة والغبار، ثم ترتفع إلى الأعلى حيث الجسور المعلقة وناطحات السحاب التي تطفو فوق البؤس كأنها من عالم آخر. في هذا الفضاء المزدوج، بين الأسفل والأعلى، يسكن سعيد الذي يمر يومياً أمام العمارة الشاهقة، فيراها أيقونة للكبرياء والاستحواذ، لا تلتفت إليه ولا إلى من هم مثله. من هنا ينبع الحلم الأول، رغبة عفوية في أن تنحني تلك العمارة وتتحول إلى جسر يصل بين الطبقتين. لكن ما يبدو كخيال عابر سرعان ما يتمدد ليصبح هوساً، ثم رؤيا، ثم كتاباً يُكتب بيد سعيد وتُعاد صياغته بيد زوجته سعاد المصورة، التي ترى في الحلم مادة بصرية شاسعة. وهكذا، يتحول الحلم إلى مشروع مشترك، بينما تبدأ التفاصيل بالتناسل في غياهب الوعي.

غير أن المتعة هنا تكمن في أن الرؤيا ليست مستقيمة، بل تتشظى كالمرايا. فالرواية لا تروي حلماً واحداً، بل سلسلة من الرؤى المتداخلة التي تتوالد الواحدة من الأخرى. سعيد يجوس في طوابق العمارة الخمسين، كل طابق يكشف عالماً مختلفاً: اجتماعات سرية لمقرضين دوليين يتآمرون على مستقبل الشعوب، شركات استثمار تبيع الفخامة كوهم، صالونات تجميل توشم المالبس على الجلود، وأفلام للكبار تخلع الأقنعة أكثر مما تضعها. في كل طابق، تعود شخصيات بعينها، كأنها أطياف تطارده، نزوة وإغراء وفريال، تحملن وجوهاً متعددة وحضوراً يتراوح بين الواقعي والمتخيل، مما يدفع القارئ للتساؤل: هل هذه الشخصيات حقيقية أم مجرد تجسيدات لأفكار ورغبات مكبوتة؟ سعاد نفسها، التي تشرع في تفريغ الحلم وتحريره، تبدأ الشكوك تتملكها: هل هذا حلم عابر أم نبوءة تغير حياة زوجها وتقلب موازينهما.

ومن ثم، يتوسع النص ليشمل طبقات إضافية: قراءة سعاد للمخطوطة، ثم ظهور رواية أخرى بعنوان "ربيع النبوءات" تنطوي على توازيات غريبة مع رؤى سعيد، ما يخلق نوعاً من التناص والمرايا المتكسرة. هذه اللعبة السردية تحوِّل الكتاب إلى متاهة، لا يمكن فيها الجزم بما هو حلم وما هو واقعة. بل إن الحدود بينهما تذوب تدريجياً، حتى يصير الواقع نفسه حلماً لا يمكن الثقة فيه، خصوصاً في النصف الثاني من الرواية حيث تتداخل أصوات عدة راويات، وكأن لكل شخصية نسختها من الحقيقة. سعيد يبدأ الانهيار: يهذي، يرى نفسه محاصراً في غرف دون أبواب، بين روبوتات ونماذج بشرية تحقق معه في مخططاته. هل هو مريض نفسي أم نبي حقيقي حمل همّاً لا يُحتمل؟ وهل ما يراه هذيان أم كشف لخيوط مؤامرة كونية؟.

على هذا الأساس، تطرح الرواية أسئلة عميقة حول طبيعة الإبداع والهلوسة، وبين الحلم والجنون، وبين الرغبة في التغيير والخوف من ثمنه. جابر خمذن لا يقدّم أجوبة، بل يبني عالماً تنهار فيه اليقينات الواحدة تلو الأخرى، ويصبح كل شخصية مشتبهاً في نواياه. سعاد التي بدأت كشريكة في الحلم، تغدو مراقبة، ثم خصماً، ثم قد تكون جزءاً من مؤامرة أكبر، فيما تبقى الناطحة هي البؤرة الثابتة، حتى وهي منحنية. في النهاية، قد لا يكون الكتاب عن ناطحة سحاب انحنت، بل عن كل ما تنهاره الرغبة الإنسانية عندما تلتقي بصلابة العالم. إنها رواية عن الحالمين والذين يحلمون ضدهم، عن الصلبان التي تشيّد للأحلام لا للأجساد، وعن هشاشة اليقين في زمن أصبحت فيه الرؤى أصلب من الحقائق.