بوكحيل

هناك في جبل "بوكحيل" وفي قلب الجزائر، تتقاطع حكايتان تفصلهما خمسة وثلاثون عاماً، لكنهما تلتقيان عند جروح الوطن ذاتها. في زمنين مختلفين، يجمع القدر بين ميلود، ذلك الشاب الذي يخون وصية والده ليلتحق بجيش التحرير في معركة ضد الاستعمار الفرنسي، وبين فاتح، المعلم الأرمل الذي تورط في صراع أهلي لا يفقه أسبابه، ليجد نفسه مرغماً على حمل السلاح ضد أبناء وطنه. بين شك الميلود ويقينه، وبين تمرد فاتح وخوفه، تنسج الرواية لوحة سردية عن الوطنية والهوية، وعن التحولات الدراماتيكية التي عاشتها الجزائر، من ثورتها التحريرية إلى محنتها الإرهابية. بأسلوب مكثف ومشحون، يرصد الكاتب تناقضات النضال، ويطرح سؤالاً وجودياً حول معنى الوطن حين يصبح سلاحاً في وجه أبنائه، ومتى يصير البطل شهيداً، ومتى يصير خائناً. بوكحيل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhlhOpE65eMWiNcjthS5HLX5aDcc8kw_3C8srftpCWc5iTPyGzIGD0EFLRQGxwTSmk7jsBY6cNO5AfvNp_x3azJi9fvtt0_wRP_ITePoGLikezi0Fyp5RGCL9jg_qYkkFK0hu5HWlnS012XdwZtaM-yGv0LoDqfv9LdobEOeh85PDHX5Y2V8XHLyI_X2Hg/s320/652.jpg

هناك في جبل "بوكحيل" وفي قلب الجزائر، تتقاطع حكايتان تفصلهما خمسة وثلاثون عاماً، لكنهما تلتقيان عند جروح الوطن ذاتها. في زمنين مختلفين، يجمع القدر بين ميلود، ذلك الشاب الذي يخون وصية والده ليلتحق بجيش التحرير في معركة ضد الاستعمار الفرنسي، وبين فاتح، المعلم الأرمل الذي تورط في صراع أهلي لا يفقه أسبابه، ليجد نفسه مرغماً على حمل السلاح ضد أبناء وطنه. بين شك الميلود ويقينه، وبين تمرد فاتح وخوفه، تنسج الرواية لوحة سردية عن الوطنية والهوية، وعن التحولات الدراماتيكية التي عاشتها الجزائر، من ثورتها التحريرية إلى محنتها الإرهابية. بأسلوب مكثف ومشحون، يرصد الكاتب تناقضات النضال، ويطرح سؤالاً وجودياً حول معنى الوطن حين يصبح سلاحاً في وجه أبنائه، ومتى يصير البطل شهيداً، ومتى يصير خائناً.

بوكحيل رواية 652 88 يناير 2022 yes 201091985809 يوسف العيشي ميمون كاتب جزائري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEheQkN7vjBfw8i1I5e459ni3uFIQZ4CPrsvqQIZBMKI3YaiwowX0Cvsfc-jpSNDFb3RnuwJNqn2Rwp9of5TXiH6MinnpIYmF1eJd6WeyGUJ51jc-dsUNAforTbmgJSs0sBOt2942TCZE_xOA6C8QYTG69q0oM6ltc-8BLy_nGnVguk1gRbKLcWigQoKVl8/s295/%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B4%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D9%85%D9%88%D9%86.jpg

تفتتح الرواية في قرية مسعد الجزائرية عام 1961، حيث يعيش ميلود تحت وطأة رغبته في الانضمام إلى جيش التحرير، ورفض والده الذي يخشى على وحيده من مصير المجهول. لكن القدر يأتي بالفرصة على طبق من ذهب حين يلوذ مجموعة من الجنود الفارين وضابطهم "سي الهادي" بمنزل والده، ليكلفوا ميلود بمهمة نقل أسلحة إلى جبل بوكحيل. هنا يبدأ الصراع الأول: بين طاعة الأب وحلم الجهاد، بين الخوف من الموت والشوق إلى الخلود في ذاكرة الوطن. يكتب ميلود رسالة وداع لأسرته، وينطلق في رحلة محفوفة بالأخطار، يجتاز خلالها وادياً مغلقاً، ويصطدم بالجوع والعطش والحمى، لكنه يصل، ويكتشف أن هناك حياة أخرى تنتظره هناك، حياة زينب، تلك الفتاة القوية التي تجسد صورة المرأة الجزائرية المقاتلة، والتي ستصبح حبه الأول والأخير في لحظة تاريخية تخطف الأنفاس.

في موازاة ذلك، يمضي السرد إلى العام 1996، حيث نلتقي بفاتح، ذلك المعلم الأرمل الذي يعيش حياة رتيبة مع حبه المخفي لماجدة، ابنة الحاج مستور. لكن حظر التجول الذي يفرضه الجيش الجزائري لمحاربة الجماعات المسلحة يقلب حياته رأساً على عقب، إذ يضطر للمبيت في حقل والدة ماجدة، ليكتشفه سيف أخوها، وتصطدم به مجموعة مسلحة، وتتوالى الأحداث المأساوية: قصف عائلة ماجدة بأكملها، اختفاء فاتح وإلحاقه بصفوف الجماعة، ليصبح مطارداً ومطلوباً لدى السلطات، وتتحول حياته إلى لعبة موت بين جيش وطنه وعصابة مسلحة تستخدم الدين غطاءً لأهدافها. هنا لا يبدو الوطن واضحاً كما كان في زمن ميلود، بل أصبح فكرة مشتتة، يتنازعها فلول الاستعمار البائد وصراعات السلطة والنفوذ، وتصبح الهوية الوطنية مرادفة للشك والتردد.

ويتكثف البناء السردي حول تقاطع المصيرين في جبل بوكحيل نفسه، حيث تدور معركة ميلود ضد الفرنسيين، وهي معركة شرسة تجعل من الجبل حصناً منيعاً، وتكشف عن أبطال حقيقيين لا يملكون سوى إيمانهم بقضيتهم. وفي مقابل ذلك، يتحول الجبل في زمن فاتح إلى معقل للجماعات المسلحة التي تقاتل الحكومة، ومسرح لعمليات إعدام وابتزاز وخيانة. هذا التشابه الساخر بين الجبل في حقبتين مختلفتين، هو جوهر رسالة الرواية: كيف يمكن لمكان واحد أن يكون رمزاً للتحرر تارة، وللعنف الأعمى تارة أخرى. وتأتي شخصية "الشيخ عبيدة" الغامضة، التي تظهر لكلا البطلين في لحظات الحسم، لتضيف بُعداً صوفياً يحيل إلى الحكمة الشعبية والذاكرة الجماعية التي ترى ما يعمى عنه الأفراد، وتذكرهم بأن الثمن الحقيقي للحرية هو الدم، سواء كان مسفوكاً في وجه مستعمر أو في وجه أخ.

أما المشاهد الأخيرة من الرواية، فتعكس عبقرية الكاتب في المزج بين المأساة الفردية والمأساة الجماعية. ميلود، بعد زواجه العاجل من زينب، يختار الموت بطلاً، مفجراً نفسه أمام الجنود الفرنسيين في مشهد بطولي يضمن له الخلود في ذاكرة القرية. بينما فاتح، المكلف بحمل حزام ناسف بتفجير مركز أمن القرية، يتراجع في اللحظة الأخيرة، ليرفض قتل المدنيين، ويُقتل برصاص جماعته التي اعتبرته خائناً، لكن ابنه سليم الصغير الذي يشهد المشهد من بعيد، سيحمل عنه هذا الإرث المعقد. اختيار الكاتب لهذه النهايات المتقابلة ليس محض صدفة؛ بل هو تأكيد على أن البطولة ليست في طبيعة الفعل وحده، بل في السياق والقناعة، وأن الوطن لا يُبنى بدماء الأبطال فقط، بل أيضاً بدماء الضحايا الذين يرفضون أن يكونوا أدوات في أي صراع. هكذا، تظل رواية "بوكحيل" سؤالاً مفتوحاً عن معنى الوطن، وعن حدود التضحية، وعن تلك اللحظات الفاصلة التي تغير مسار التاريخ، وتجعل من أيلول شهراً للذكريات التي لا تُنسى.