السر الآسن

للمرة الألف، تتساقط الأمسيات على المدينة كأوراق الخريف، تحمل رياحها قصصاً لم تُروَ بعد. في أزقة لا تنام، حيث يتداخل الماضي بالحاضر في رقصة أبدية، عاش الحاج التهامي أيامه سائق شاحنات، نسج من ليالي السفر حكايات لم تبارح مجالس المقهى. كانت نصائحه كنور يرشد التائهين، وسيرته القويمة مناراً في حيٍّ يعرف قيمة الرجال. لكن خلف هذا الجدار الصلب، كانت هناك أرواح أخرى تتنفس بصعوبة، كصفية، فقيرة المال غنية الروح، تعيد نسج خيوط الحياة بحبال الصوف، وبنتها عصام، الذي عاد من بلد الأغربة مريضاً، ليجد في دفء منزلها وحضور الحاج التهامي ملاذاً. على الشاطئ، حيث تغرب الشمس شهيدةً، كانت ترقص الأمواج على إيقاع الحياة المتجددة، وتشهد الرمال على لقاءاتٍ تتردد أصداءها في أروقة الروح. السر الآسن
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiFpA5_tGapa8hM5y2Q5AUvjTD_KDJffEfHBV6o8hyUXVMawrOak85YTjeYNL26ZyoH42xOmVtGLFqjDyxSfNAFvc6P6FTezQw89AF7OxLcvzpbLUMEx8PDcZXFclq9c0BTDHBr8VtZwmQYNbAMJptXkiQ0mwkIDGtgO2L7af0K1dPInrSQA6JL_leztT0/s320/379.jpg

للمرة الألف، تتساقط الأمسيات على المدينة كأوراق الخريف، تحمل رياحها قصصاً لم تُروَ بعد. في أزقة لا تنام، حيث يتداخل الماضي بالحاضر في رقصة أبدية، عاش الحاج التهامي أيامه سائق شاحنات، نسج من ليالي السفر حكايات لم تبارح مجالس المقهى. كانت نصائحه كنور يرشد التائهين، وسيرته القويمة مناراً في حيٍّ يعرف قيمة الرجال. لكن خلف هذا الجدار الصلب، كانت هناك أرواح أخرى تتنفس بصعوبة، كصفية، فقيرة المال غنية الروح، تعيد نسج خيوط الحياة بحبال الصوف، وبنتها عصام، الذي عاد من بلد الأغربة مريضاً، ليجد في دفء منزلها وحضور الحاج التهامي ملاذاً. على الشاطئ، حيث تغرب الشمس شهيدةً، كانت ترقص الأمواج على إيقاع الحياة المتجددة، وتشهد الرمال على لقاءاتٍ تتردد أصداءها في أروقة الروح.

السر الآسن مجموعة قصصية 379 118 يناير 2020 yes 201091985809 جليلة الجناتي كاتبة مغربية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiYNuwWT3ciIZjeiEXVZhK0ZJpw42SjanflE07vTOxrzAzIB2F2C54ULLV_fQAPcY3U68zbG_jAnHdRP3GV5kMvzCzKC25Lrch8gem97EzjPd70LoC-7ODFCLwdqbHzqRrWwRvo0taft7bG0Oktf6PHfQRaQXEjMO2q3WYGplsZoOos7G54uv5im0D04Iw/s295/%D8%AC%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%8A.jpg

تتفتح قصص "السر الآسن" لجليلة الجناني كحديقة أسرار، لا تكشف عن نفسها دفعة واحدة، بل تتسلل إلى وجدان القارئ بخيوط خفية، كشعر امرئ القيس حين يصف عيني الأرنب. تعرض المؤلفة مجموعتها هذه، إهداءً لمن رحلوا وحضروا في آن، حيث الأم والأب والأخت والزوج والأبناء، كلهم أطياف تزين مسيرة الحياة، لتؤكد أن الحب يبقى، حتى وإن غابت الأجساد.

في قلب الحي، حيث تتنفس ذكريات الماضي أغبرة الحاضر، يطل علينا الحاج التهامي، سائق الشاحنات المخضرم، الذي تتجلى سيرته كمسيرة قوامها مكارم الأخلاق، لا تخلو من "شطحات" خفية. يجلس في مقهاه المسائي، مركز الطاولة، يروي مغامرات لياليه الطوال، وتستمع إليه القلوب المتعطشة لحكايات الحياة، والآذان الصاغية لنصائحه. يجد في رفاقه معلمي الحي، رجالات يجدون في جلستهم ملاذاً من روتين العمل، فرصة لاستعادة أنفاسهم قبل ليلٍ جديد.

تنساب بنا الحكاية إلى "صفية"، الفقيرة مالاً والغنية روحاً، التي يمنحها حضور الحاج التهامي دفئاً يضيء غربة الروح. رائحة الزيتون الأخضر تطيب جلستها، وأطياف الفرح تملأ غرفتها البسيطة. تعود صفية لتنسج خيوط الحياة من صوف الغزل، تجارة جدتها القديمة، لتنسج منها جوارب تبيعها في سوق متعاطف، كل صباح تظهر وابنها "عصام" بجانبها، ثم الحاج التهامي الذي قدمته لهم كأبي. حبها ورعايتها استعادا لعصام صحته ونضارته، فبات الحاج يخفف عنها عبء الحياة، يشاركها الحديث، ويساعدها في حمل الأغراض، واهتم بالصغير حين تغيب، ولا تبحث صفية عن أسباب مرضه، بل تسكن في حاضره المضيء.

يشد عصام يد الحاج التهامي، يتوجهان نحو الشاطئ قبيل الغروب، تلحق بهما صفية بدلة شاي ساخن وفطائر، لتشاركهما دفء العشاء. يتحدق الحاج في صفية، وكأنه يراها للمرة الأولى، بفستانها الأبيض الذي يحكي إغراءً. تنطلق من شعرها الطويل ذراعان وساقان، ينسدل حول جسدها. تلاحق صفية عصام على الرمال، تجمع الأصداف الملونة، بينما يراقبها الحاج، وكأنه أسير سحر جديد.

ثم تنقلب الصورة، كأنما استيقظنا من حلم جميل على واقع مرير. في مشفى، حيث الأوراق الرسمية تحكم الجنون، يقترب ذاك الرجل، بنظرة جشعة، يحاول الاعتداء. تصدّه صفية، لكنه يصر على محاولاته، تدافع عن نفسها، تصرخ، لكن نجمة، رفيقة التعاسة، تضحك مستلقية على الأريكة. يشدها الرجل بقوة، تصارع خوفها وهلعها.

تُدوي صافرة الإنقاذ، تخترق الصمت. تنشب النيران في أحد الأجنحة، يتصاعد صراخ، ويهرع الجميع. تهرب صفية ونجمة، تتبعان هتافات تفرح بالعيد، وأخرى تحسب الزيارة. يشتعل جناح النساء، تندلع النيران، وتصرخ النزيلات طلبًا للنجدة، يحاولن الهرب من الشباك. تتسلق صفية حاوية نفايات، تراقب من بين الدخان، تظهر سمرة، قد أضرمت النار بجسدها و سريرها. يحاول الممرضون إخمادها، بينما تتدخل نجمة، تقفز إلى الداخل، وتهرب صفية.

تندفع صفية نحو الغابة الموحشة، يتبعها ذاك الذي حذرها من مخاطرها. في قلب الصنوبر الكثيف، تختبئ فوق جذع شجرة، تراقب المشفى من بين الأغصان. يمتلئ المكان بالصراخ، يحاول المشرفون استعادة النظام. تلفها البرودة والتعب، والهول، وصورة السمرة المحترقة لا تفارقها. الليل حالك، تتوجس هجومًا من وحوش، أو من مغتصب مجنون. تمر الساعات ثقيلة، كأنها سنوات، تتقوقع على جذع شجرة، تنتظر فجرًا قد يأتي، أو لا يأتي.