صديقي عرّوب

في زحام الأيام، تتوارى مواقف قليلة لتشكل علامات فارقة في مساراتنا، لا يلتفت إليها كثيرون، بينما تتغلغل في نفوسنا لتصبغ سلوكنا وانفعالاتنا، وتعيد تشكيل رؤيتنا للعالم. "عرّوب" ليس مجرد اسم، بل هو تلك الأنا المستترة التي تبوح بما تخفيه الأعراف، صوتٌ ينبش في الظاهر ليستخرج من ثناياه المعنى، كمن يبحث عن زاوية الشيطان في المألوف ليقلب العادي إلى معقد، والبسيط إلى صعب، عبر عدسة الهزل الذي يكشف العمق. تأتي قصصه لتصوغ لنا هذه المواقف، فتُعرّض لنا ما تعرض له "عرّوب"، وما قد نتعرض له نحن، كمن يطل من نافذة صغيرة على عالم واسع. صديقي عرّوب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjeNZKGV6dSRDluhyphenhyphenFE7Cy5HoWR9WzFURu0JHau2AKG6tFcEsywg6IRsdC3Q9UdFwxs_ZminUBBhMdM87zLqyyivRxk_oJ3fDgsY1o1EJYA30DQ6jOUDZLvBjiKLdiqyGRtD2VG-J7zuhx2Nro1wYREWPoPrWLieV0VusTFdT96PDEaBHArKn84_uDtIZA/s320/357.jpg

في زحام الأيام، تتوارى مواقف قليلة لتشكل علامات فارقة في مساراتنا، لا يلتفت إليها كثيرون، بينما تتغلغل في نفوسنا لتصبغ سلوكنا وانفعالاتنا، وتعيد تشكيل رؤيتنا للعالم. "عرّوب" ليس مجرد اسم، بل هو تلك الأنا المستترة التي تبوح بما تخفيه الأعراف، صوتٌ ينبش في الظاهر ليستخرج من ثناياه المعنى، كمن يبحث عن زاوية الشيطان في المألوف ليقلب العادي إلى معقد، والبسيط إلى صعب، عبر عدسة الهزل الذي يكشف العمق. تأتي قصصه لتصوغ لنا هذه المواقف، فتُعرّض لنا ما تعرض له "عرّوب"، وما قد نتعرض له نحن، كمن يطل من نافذة صغيرة على عالم واسع.

صديقي عرّوب مجموعة قصصية 357 72 ديسمبر 2019 yes 201091985809 عبد الإله خبطة كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgZ0tIc45t9hR4ZSdA0Bc5A9C4CRgnajwWJTQmz9hFfZaeFLO9tC8kdnDVeRXHg6ddBNjbXP13hkWvKwNc5QrbSX9yxvhDNF77Xb-zzkhivjo15oDVCf4HyomYNrRv4YMA3VfSEcfuT1HHdOfyRYbW2L6R_SiE5hw4g0PgZUdd94NeFYaMnhokLzS_vxGQ/s295/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%87-%D8%AE%D8%A8%D8%B7%D8%A9.jpg

عبد الإله خبطة يفتح في مجموعته القصصية "صديقي عرّوب" نافذة على تلك المناطق الرمادية في النفس البشرية، حيث يلتقي الصدق الفج بالتحايل الذكي على نمطية العيش. يطل علينا بطل المجموعة "عرّوب" لا بوصفه شخصية ورقية محبوسة بين دفتي كتاب، بل بوصفه مرآة مهشمة تعكس وجوهنا جميعاً حين نقرر التخلي عن أقنعة الوقار الزائف. يذكرني هذا البدوي الحكيم بـ "زوربا" نيكوس كازانتزاكيس، لكنه زوربا نبت في تربة مغربية قاسية، يواجه العالم بضحكة ساخرة ولسان سليط لا يستثني أحداً، حتى الصديق الذي يروي عنه. النص ليس مجرد سرد لمواقف عابرة، بل هو محاولة بائسة وشجاعة في آن واحد لسداد دين معنوي، فالمؤلف يبدأ كلماته بغصة الفقد، مهدياً عمله لأرواح غيبها السرطان، وكأنه يرمم بالحكاية ثقوب الغياب التي تركها الراحلون في جدار ذاكرته. الحروف هنا تتحول إلى طقس اعتذار عن وعد بالزيارة لم يكتمل، لتصبح القصص هي الزيارة المؤجلة التي طال أمدها.

يتجلى "عرّوب" في ثنايا الكتاب كصوت للضمير المستتر، ذاك الذي يجرؤ على قول ما نخشاه في صمتنا. هو الشخصية التي تنبش في التفاصيل الظاهرة لتبحث عن "زاوية الشيطان"، محولة العادي إلى معقد، والبسيط إلى ملحمة من التناقضات الإنسانية. في موقف عيد الميلاد، يصفع عرّوب صديقه والقارئ معاً بحقيقة العالم الافتراضي الذي نغرق فيه، معتبراً أن آلاف كلمات التهنئة ليست سوى فقاعات صابون تفتقر لدفء الوجود الحقيقي. يسخر من زيف المشاعر المعلبة، مستنداً إلى "قاعدة الـ 20 بالمئة"، حيث يرى أن خمس العلاقات والأحداث في حياتنا هي الجوهر وما تبقى ليس إلا أهازيج فارغة. هذه القسوة في التعبير ليست سوى غلاف لرهافة مفرطة، فهو يسبق الصديق بالتهنئة لكنه يغلفها بشتائم محببة، مدعياً أن رسائل شركات الاتصالات المجانية هي التي قادته للاتصال، هرباً من الاعتراف بوهج المودة الكامن في قلبه الخشن.

ينتقل بنا الكاتب إلى مشهد آخر يصور فيه "عرّوب" متسولاً بوقار وهيبة أمام باب المسجد، ليس جوعاً بالضرورة، بل ربما لاختبار معادن البشر ومسرحة الحياة. في هذا الموقف، يتجلى الصراع بين كرامة الذات والحاجة، حيث يرفض عرّوب السقوط في الدراما الرخيصة التي يمارسها محترفو التسول، محتفظاً بكبريائه حتى في أحللك اللحظات. إنها فلسفة الرفض التي تتخلل المجموعة كاملة؛ الرفض للانصياع للمتوقع، والرفض للذوبان في القطيع. عبد الإله خبطة يجعل من شخصيته محوراً لتفكيك الأوهام، فهو الذي كشف واكتشف وعاد ليعتكف في صومعة الحقيقة كما يصفه في التقديم. الكتاب في جوهره صرخة ضد الاستلاب، ودعوة للنزول إلى "عالم الحياة" ومعاينته بالعين المجردة بعيداً عن بريق الألفاظ المتوهجة التي لا تضيء عتمة الروح.

تنساب اللغة في المجموعة بإيقاع موسيقي يزاوج بين السخرية السوداء والوجد الصوفي تجاه الأصدقاء والراحلين. نجد أنفسنا أمام نص يدين بالولاء للواقعية لكنه يجنح نحو التجريب في التقاط اللحظة الهاربة. المؤلف لا يكتب ليؤرخ، بل ليكاشف، مستخدماً "عرّوب" كقناع يمرر من خلاله رؤيته للعلاقة بين الأنا والآخر. كل قصة قصيرة هي محطة للتأمل في السلوك الإنساني وانفعالاتنا التي تشكل وعينا بالعالم. وفي نهاية المطاف، يدرك القارئ أن "صديقي عرّوب" هو ذلك الجزء الضائع منا، الذي يمتلك شجاعة أن يكون حقيقياً في زمن تكدست فيه الأقنعة. لا يتركنا الكتاب بدرس وعظي، بل يتركنا مشدوهين أمام مرآة عرّوب، نتساءل عن نصيبنا من تلك الـ 20 بالمئة من الحقيقة التي تتبقى بعد أن ينفض سامر الكلمات البراقة. الدرس يكمن في تلك النظرة الأخيرة التي يلقيها عرّوب قبل أن يقفل الخط، تاركاً صديقه والقارئ في ذهول ممتع، يثبت أن أصالة العمل تكمن في قدرته على تحويل الوجع الشخصي إلى شهادة إنسانية عامة.