السنبك

سنة في حياة شاب سوداني، يكافح في شوارع أم درمان خلف مقود ركشة بالية، وحلمه الوحيد أن يلمس جداراً أوروبياً ولو بإصبعه. تتحدث الرواية عن "السنبك" — ذلك القارب المطاطي الذي أصبح مرادفاً للفخ، وعن الصحراء التي تبتلع الأحلام قبل الأجساد، والبحر الذي لا يردّ إلا القليل. ليس هنا حديثاً عن الهجرة بوصفها مغامرة، بل استعراضاً لواقع مرير يجعل الإنسان يراهن على موته أملاً في حياة جديدة. فينطلق بطلنا، تاركاً خلفه شجرة الحجة زينب وفنجان قهوتها، لتكون الصحراء محطته الأولى في رحلة تبدأ بحلم وتنتهي بكابوس، أو العكس. رواية تكتبها تفاصيل الألم، بأسلوب حكاء يعرف كيف يغرس السؤال في القارئ: هل الوطن مكان، أم أنه فكرة لا تموت حين تتركه؟ السنبك
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjtVZL6jkVlwG7WGkGCo3QjfxEqyBvc7fNKYlfF7ytUOsEksPGm8lTjrCK0kkkpbm90nhRTW7ai350jDwHTx1oZGCoBWo4MBweNeGhZC7Hb87yijIY8JuoiIXdqPvUS72Ykt6b3TXefp24ZmU1xory6kSBDYcJlKy49pyulxdSYqVeHdAevSGUpa_c6wbk/s320/637.jpg

سنة في حياة شاب سوداني، يكافح في شوارع أم درمان خلف مقود ركشة بالية، وحلمه الوحيد أن يلمس جداراً أوروبياً ولو بإصبعه. تتحدث الرواية عن "السنبك" — ذلك القارب المطاطي الذي أصبح مرادفاً للفخ، وعن الصحراء التي تبتلع الأحلام قبل الأجساد، والبحر الذي لا يردّ إلا القليل. ليس هنا حديثاً عن الهجرة بوصفها مغامرة، بل استعراضاً لواقع مرير يجعل الإنسان يراهن على موته أملاً في حياة جديدة. فينطلق بطلنا، تاركاً خلفه شجرة الحجة زينب وفنجان قهوتها، لتكون الصحراء محطته الأولى في رحلة تبدأ بحلم وتنتهي بكابوس، أو العكس. رواية تكتبها تفاصيل الألم، بأسلوب حكاء يعرف كيف يغرس السؤال في القارئ: هل الوطن مكان، أم أنه فكرة لا تموت حين تتركه؟

السنبك رواية 637 200 يناير 2022 yes 201091985809 محمد عبد الرازق المرضي كاتب سوداني https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjtiiJpG8SvIsr1ZP-CNvP8r8qDq569arBMzNsqiitvVayJFeaCMapuDSHH_CyFN6WuuHqXJz58JI-VAja86i_u-3InCHJrGFQOQ6ApAlG5J5TDpknI0ZuRcs8yQTWCX-R1l1HGEMhjkybV4ahvkqokrPPFp3HThWP851WCTUvMWeRqq3DR0LOMXHiN-CI/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%B2%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B6%D9%8A.jpg

تتماسك الرواية حول محور رئيسي، هو تحول الحلم إلى كابوس، ليس بسبب فشل المحاولة فحسب، بل لأن الرحلة ذاتها تصبح مثالاً مصغراً للصراع الإنساني مع الأمل واليأس. تبدأ الحكاية في فضاء يومي حميمي، حيث يعيش بطلها حياة رتيبة كسائق ركشة، محاطاً بتفاصيل صغيرة تكاد تكون طقوساً يومية: قهوة الحجة زينب، أحاديث الأطفال، دوامة السوق. غير أن هذا السكون، الذي يبدو مملاً، ليس سوى واجهة لضغط متراكم يبحث عن متنفس.

تأتي لحظة التحول من خلال محادثة عابرة بين شبان، تطلق كلمة «السنبك» كطلقة في ذهن البطل، فتنبت بذرة قرار يظن أنه خلاص. وهنا يظهر التباس عميق: المفارقة بين ما يراه البطل حلاً، وما يصير عليه الحل فعلياً. فالهجرة غير الشرعية، كما تصوّرها الرواية، ليست مجرد عملية عبور جغرافي، بل سلسلة من عمليات الابتزاز والخداع، تبدأ من الصحراء وتنتهي في البحر. غير أن ما يجعل السرد مؤثراً هو أن البطل لا يقدم نفسه كضحية في كل لحظة، بل كلما أمعن في الطريق، كلما انكشف له أن الفخ ليس في البحر فقط، بل في البشر الذين يتاجرون بالأحلام.

تتعمق الرواية في تفاصيل الرحلة بوصف حسي يجعل القارئ شريكاً في المعاناة. من حرارة الصحراء التي تجفف الحلق، إلى برد البحر الذي يقشعر له البدن، ومن عظام الموتى التي تستخدم وقوداً للطهي، إلى الموت نفسه الذي يظهر في منتصف الطريق وكأنه أمر عادي. بهذا التناول، تتحول الرحلة إلى استعارة عن الحياة في ظل غياب الدولة: الفرد يدفع ثمناً باهظاً مقابل كل خطوة، والسلطة الوحيدة هي سلطة المال والسلاح.

في الجانب الآخر، تقدم الرواية ملامح دقيقة عن واقع الهجرة في ليبيا، حيث تتحول الدولة إلى سوق مفتوح للاستغلال. تظهر العصابات، وخفر السواحل المتواطئون، وتجار الأعضاء، كخريطة متشابكة من العلاقات التي تجعل من البشر سلعة. على هذا الأساس، يتحوّل معنى «السنبك» من قارب بلاستيكي إلى رمز للدائرة المغلقة التي لا مفر منها: الفرد يدفع، ثم يُدفع، ثم يُدفع مجدداً، حتى يصبح فارغاً من كل شيء، حتى من جسده.

مع ذلك، تحتفظ الرواية بنفَس إنساني لا ينقطع. العلاقات التي تنشأ بين الشخصيات على الطريق تعكس وجهاً آخر من الرحلة: التضامن الإنساني رغم القسوة. شخصية آدم، رفيق الدرّ، تمثل هذا التضاد؛ إنه الأمل الذي يجرّ الإنسان إلى الأمام، رغم أنه أول من يسقط. واللقاءات العابرة مع الآخرين، من لاجئين وعابرين، تُذكّر أن الذين يركبون السنبك ليسوا مجرد أرقام، بل أشخاص يحملون تفاصيلهم وأحلامهم ووجوههم التي تختفي في عرض البحر.

في نهاية المطاف، لا تمنح الرواية إجابة عن سؤال النجاح أو الفشل، بقدر ما تطرح سؤالاً آخر: ماذا يبقى من الإنسان إذا انتزعت منه وطنه، ثم جُرد من أحلامه، ثم من جسده؟. تظل هذه المفارقة حاضرة حتى الصفحات الأخيرة، حيث يصل البطل إلى أوروبا، لكنه لا يبدو منتصراً. لقد تحقق الحلم، لكن ثمنه كان كل ما يملك، وربما أكثر. هنا تكمن قوة الرواية: ليست في حكاية عبور، بل في حكاية من يعبرون ويجدون أن ما كانوا يبحثون عنه، ربما كانوا يحملونه معهم طوال الوقت، أو ربما فقدوه في الطريق.