لهيب العاصفة

هل يمكن لموت واحد أن يستوعب في ذاكرته حرباً كاملة ووباءً قاتلاً؟ نسمة أبو النصر تضع بين يديك رواية لا تقرأها بعينيك فقط، بل برئتيك المثقلة باللهب. "لهيب العاصفة" تأخذك إلى غرفة عناية مركزة حيث يرقد شعبان، جندي أكتوبر البطل، سجين جهاز تنفس ولغز الزمن. هنا لا يموت الإنسان مرة واحدة؛ بل يموت كل يوم حين تتقاطع شظايا الحرب مع قسوة الوباء، وحين تصرخ الذاكرة بأسماء الشهداء بينما تئن رئات الشيخوخة. ليست هذه رواية عن الموت، بل عن البطولة التي لا تموت، وعن الصراع المزدوج بين عدوين: واحد استباح الأرض، وآخر استباح الأجساد. إنها فصول من سيرة وطن يراوغ النسيان، تكتبها أنامل طبيبة عرفت كيف تلمس الجروح دون أن تخشى الندوب. لهيب العاصفة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhFvOzryga36HKajBYkWagamuEd1HXQBAWyYIyR-9SyHbSMcjwATQ4LYrk_4TKAd2dcAnbMqXf7M7CCAEm4q1ot0mWbeth7yb3CIoJ2EFrCyEWj-WQCA7wGqKXUsEbUNhLNh0q4zoC8spNo0lMn8CLRt7niOQy2hmaeR_zEYDTGjgTyVsmY53DbcQC2u2A/s320/606.jpg

هل يمكن لموت واحد أن يستوعب في ذاكرته حرباً كاملة ووباءً قاتلاً؟ نسمة أبو النصر تضع بين يديك رواية لا تقرأها بعينيك فقط، بل برئتيك المثقلة باللهب. "لهيب العاصفة" تأخذك إلى غرفة عناية مركزة حيث يرقد شعبان، جندي أكتوبر البطل، سجين جهاز تنفس ولغز الزمن. هنا لا يموت الإنسان مرة واحدة؛ بل يموت كل يوم حين تتقاطع شظايا الحرب مع قسوة الوباء، وحين تصرخ الذاكرة بأسماء الشهداء بينما تئن رئات الشيخوخة. ليست هذه رواية عن الموت، بل عن البطولة التي لا تموت، وعن الصراع المزدوج بين عدوين: واحد استباح الأرض، وآخر استباح الأجساد. إنها فصول من سيرة وطن يراوغ النسيان، تكتبها أنامل طبيبة عرفت كيف تلمس الجروح دون أن تخشى الندوب.

لهيب العاصفة رواية 606 164 أكتوبر 2021 yes 201091985809 نسمة أبو النصر كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjaGkxPxi19H7eHClDUQx3a5uz514O3nlxWKIpaE2SwhMqu3S9iNkMWgaE1iSYBtjqXHQyPkdjFObiO-0pIhgc3OyIBoHtxWfCsw32jQ-ZXep_GOvVXbBuxMxX8F5VA4JfQ0t8Wb0PtZ5r-Y4vfOzvC9s67ze2mCHOCbGWvEA0_D-69im7R3lC9XCjvlgM/s800/%D9%86%D8%B3%D9%85%D8%A9%20%D8%A3%D8%A8%D9%88%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1.jpg

تجتمع في هذه الرواية حربان؛ واحدة في سيناء، والأخرى في جسد مريض. تدور أحداثها في شتاء الجائحة، وتحديداً داخل غرفة العناية المركزة حيث يحتضر الحاج شعبان، الفلاح المصري الذي حمل السلاح في أكتوبر 1973، وها هو الآن يحارب فيروساً لا يرحم. غير أن الراوي، بلغة اقترابية من الوعي المتشظي للبطل، لا يكتفي بتصوير لحظة الموت الآني، بل يشق طريقاً معكوساً في الزمن، مستعيداً تفاصيل حياة رجل عاش على هامش التاريخ ثم صار جزءاً منه. تتداخل الذكريات مع الواقع في انسيابية سردية تجعلنا نعايش صراع شعبان بين أنفاسه المتقطعة ولحظات بطولته الماضية، وكأن الرواية بأكملها شهيق وزفير بين عالمين: عالم الحلم بالتحرير، وعالم الكابوس بالمرض.

يمثل شعبان، كما تصوره الكاتبة، نموذجاً للبطولة المصرية غير المصطنعة. إنه ليس بطلاً خارقاً، بل فلاحاً جنده الجوع والأرض، ثم جنده حب الوطن. في مشاهد الحرب، لا نراه إلا من خلال أوامر عسكرية متتالية، وكباري تعبر قناة السويس، وقذائف تنهمر كالمطر. لكن الكاتبة لا تنجرف نحو الملحمية الجوفاء؛ فهي تهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل هوية الرجل: علاقته بأمه، زواجه من "ست الستات"، حلمه بطفل اسمه جمال، حزنه على رفيقه سليم، ووصيته الغريبة التي تنقل شعبان إلى قرية نائية ليخبر أم سليم بوفاة ابنها ويسلم رسالة إلى حبيبته. كل هذه الخيوط تنسج نسيجاً إنسانياً غنياً يقاوم اختزال البطل إلى مجرد جندي، ويدفعه إلى فضاءات أكثر تعقيداً حيث يتشابك الحب بالحرب، والفرح بالموت، والغربة بالانتماء.

غير أن المفارقة المركزية في الرواية تكمن في موازنة الكاتبة بين جبهتين للصراع؛ الأولى هي حرب أكتوبر بكل تفاصيلها التاريخية المعروفة، والثانية هي الحرب الخفية ضد كورونا. تنتقل نسمة أبو النصر بين الزمنين بسلاسة، مستخدمة تقنية الاستذكار التي تمنحها مساحة لتوظيف مادة تاريخية كثيفة دون أن تفقد السرد حرارته العاطفية. وهكذا، نجد مشاهد احتدام المرض في غرفة العناية المركزيّة تتناوب مع مشاهد عبور القوات المصرية للقناة، بينما الأطباء والممرضون يخوضون معركتهم اليومية ضد فايروس لا يرحم، تماماً كما خاض شعبان ورفاقه معركتهم ضد عدو يعتمد على الدبابات والطائرات. تتشكل عبر هذه المقابلة رؤية نقدية حول مفهوم البطولة في عصر الأوبئة، حيث لم يعد البطل مجرد من يحمل السلاح، بل صار كل من يضع جسده في خط المواجهة، سواء في ساحة القتال أو في سرير المستشفى.

يتجلى أسلوب الكاتبة في بناء الجملة القصيرة المتوترة التي تعكس حالة الاختناق التي يعيشها البطل، وكأن لغة النص هي المرآة الأولى لرئتيه المريضتين. كذلك، تبرز المونولوجات الداخلية كأداة سردية أساسية، تتيح للقارئ الوصول إلى أعماق شخصية شعبان دون وساطة مفرطة، خاصة في تلك اللحظات التي يتساقط فيها الوعي بين الحلم والهلوسة، بين ما هو واقعي وما هو متخيل. بيد أن الكاتبة لا تهمل الشخصيات الأخرى؛ فهناك الطبيب حسن الذي يحاول الاحتفاظ بتماسكه أمام موت يومي، وهناك الممرضة أميرة التي تبحث عن حب وسط هذا الركام، وهناك أسرة شعبان الكبيرة التي تنتظر نبأ عودته أو رحيله. كل هذه الأصوات تخلق تعددية سردية تثري النص وتجنبه الوقوع في فخ الرؤية الأحادية.