بين الماء والطين

نهرٌ يمرّ بمدينة صغيرة، لكنه لا يروي عطشها، بل يحمل معه أشلاء الذكريات وجثث الأحلام. رجل يعود إلى البطحاء بعد غربة طويلة، ليكتشف أن الماء هناك بات أثقل من الطين، وأن الجسور التي كان يعبرها ذات يوم قد غرقت في قاع الحرب. تلك المدينة التي تركها خلفه تعج الآن بوجوه جديدة، لكنها ما زالت تحتفظ بأشباح المقهى والمكتبة والحمام العام، أماكن كانت يوماً معابد للثقافة والتحدي. بين خليل المتشدد دينياً وحمد غوركي الشاعر الشيوعي، يشتعل صراع الأفكار على طاولة الدومينو، بينما ناظم الأسود يسطو على الحياة ببزته العسكرية وقسوته. وبين كل هؤلاء، يقف الراوي حائراً بين ماضٍ نابض وحاضرٍ متكسر، يسائل الأصدقاء القدامى عن مصير أشجار اليوكالبتوس التي زرعها بيديه، وعن وطن أضاع بوصلته بين الرصاص والدعوات. إنها رحلة إلى جوف الذاكرة العراقية، حيث يولد الأمل من رماد الحروب، وتظل البطحاء شامخة كشجرة عنيدة على ضفاف الفرات. بين الماء والطين
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhF0CGzWV5rrrxjN8EPqqEtQNffZkkpFUD3A5uI9opkWoG_T4esR03glr5MYDarQVCiGBxvlEousfVJBG9v6bIrS3A4uTgxXatHlsnfbMNBaV7rOE9QfbszYXz8pcOzTYbsOeBzGwIc3KNcUay9QaDuGgGSPPGUWE0fkZMSK70G7I8lV4IRrMXIwadOC9w/s320/720.jpg

نهرٌ يمرّ بمدينة صغيرة، لكنه لا يروي عطشها، بل يحمل معه أشلاء الذكريات وجثث الأحلام. رجل يعود إلى البطحاء بعد غربة طويلة، ليكتشف أن الماء هناك بات أثقل من الطين، وأن الجسور التي كان يعبرها ذات يوم قد غرقت في قاع الحرب. تلك المدينة التي تركها خلفه تعج الآن بوجوه جديدة، لكنها ما زالت تحتفظ بأشباح المقهى والمكتبة والحمام العام، أماكن كانت يوماً معابد للثقافة والتحدي. بين خليل المتشدد دينياً وحمد غوركي الشاعر الشيوعي، يشتعل صراع الأفكار على طاولة الدومينو، بينما ناظم الأسود يسطو على الحياة ببزته العسكرية وقسوته. وبين كل هؤلاء، يقف الراوي حائراً بين ماضٍ نابض وحاضرٍ متكسر، يسائل الأصدقاء القدامى عن مصير أشجار اليوكالبتوس التي زرعها بيديه، وعن وطن أضاع بوصلته بين الرصاص والدعوات. إنها رحلة إلى جوف الذاكرة العراقية، حيث يولد الأمل من رماد الحروب، وتظل البطحاء شامخة كشجرة عنيدة على ضفاف الفرات.

بين الماء والطين رواية 720 110 يناير 2023 yes 201091985809 يوسف هداي ميس كاتب عراقي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgCZ4dfSxow8T_UzRIgOpywCAB1JtlErKJEOoI4o8CYjSrkFmBaoQhLhB2qy5Aqb2UzwGbFXUZQQvC3L-4x7-bH3c7FOxHNTk_WlgJZa2FMljD1O3CkEdqaHXHfXAkd-iaN_Jru6x3_JLZAGeTGGfWQo_zlDl7d9xLcDaMLIIQvdWCVRV7nFnRjVOByO5Y/s295/%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D8%B3.jpg

رواية "بين الماء والطين" ليوسف هداي ميس، الصادرة ضمن مشروع النشر الحر، تقدم سرداً تاريخياً واجتماعياً مكثفاً يمتد عبر عقود من التحولات التي شهدها العراق، متخذةً من مدينة البطحاء الصغيرة نموذجاً مصغراً لهذا التحول المركب. لا تقتصر الرواية على توثيق الأحداث بقدر ما تسعى إلى تفكيك العلاقة بين المكان والذاكرة، حيث يصبح النهر والمحطة والمكتبة شخصيات حية تحمل في طياتها تحولات الإنسان العراقي من حالة الطمأنينة إلى الفوضى التي أعقبت التغييرات السياسية العميقة. إذ يتخذ السارد، العائد إلى بلدته بعد غربة طويلة في أوروبا، موقع الراصد المتأمل الذي يقرأ في جدران المدينة المهترئة مرآة لتشظي الذات الجمعية، في تنقل مستمر بين الزمنين يخلق إحساساً باللامكانية الشفيفة، حيث يضيع الحد الفاصل بين ما كان وما صار.

تتأسس الرواية على تلك الثنائية المركزية التي يحملها العنوان: الماء والطين، فهما عنصران متناقضان، الأول يرمز إلى الحياة والصفاء والجريان، والثاني يوحي بالثبات والبناء والجمود. غير أن الكاتب يقلب هذه المعادلة ليُظهر كيف تحول الماء إلى طين ثقيل في وعاء النهر الملوث، وكيف صار الطين رمزاً للانهيار لا للبناء، حين تهدمت البيوت وأصبحت أساساتها مرتعاً للذاكرة المتعبة. ومن هنا، فإن البطحاء، بكل ما فيها من أزقة ودروب ضيقة، ليست مجرد مكان جغرافي، بل فضاء نفسي تتداخل فيه الحياة اليومية مع هول الموت الجماعي، حيث تتعاقب على سكانها موجات من القمع والانتفاضة والتشرد، لتظل شجرة اليوكالبتوس التي زرعها البطل شامخة كرمز للصمود في وجه كل تلك العواصف.

يمضي النص في تعرية الآليات السياسية التي أسست لما يسميه السارد "رقصة الموت"، ذلك التعبير البصري الذي يصف به تحول المدينة إلى مسرح للإعدامات والتفجيرات والمقابر الجماعية. فالشخصيات التي تملأ الرواية، وفي مقدمتهم ناظم الأسود وحمد غوركي وخليل، تشكل أطيافاً متصارعة من الأيديولوجيا: البعثيون، الشيوعيون، الإسلاميون، كل منهم يحمل مشروعه الخاص للخلاص، لكن النتيجة واحدة في كل مرة، وهي مزيد من الدماء والأشلاء. غير أن الكاتب لا يقع في فخ التجريد الأيديولوجي، بل يحرص على منح كل شخصية سيرتها الفردية وهشاشتها الإنسانية، فيبدو ناظم الأسود، بكل قسوته، أباً يبكي أبناءه الثلاثة الذين قضوا بطرق مختلفة في سنوات الحرب والإرهاب، فيما يظل حمد غوركي وفياً لحلم الشيوعية حتى بعد أن خانته التفاصيل، ويستمر في احتساء الخمر في الكازينة التي صارت ملاذاً للنسيان في زمن الضياع.

يلجأ الكاتب إلى تقنية بناء المشاهد السينمائية، متوقفاً عند تفاصيل المكان والزمان بدقة تثير الحنين، مثل وصفه للمكتبة العامة التي كانت أيقونة ثقافية للمدينة، وكيف تحولت إلى ثكنة عسكرية ثم إلى أنقاض. هذه التحولات المكانية ليست مجرد خلفيات درامية، بل هي انعكاس لتحول القيم ذاتها: فالمعرفة التي كانت تشكل فضاءً للحرية، صارت هدفاً للحرق والدمار، تماماً مثل الحمام العمومي الذي كان مساحة للجسد والطهارة وتحول إلى رمز لانتهاك العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع منكسر. وفي خضم ذلك، يظل الراوي يحاول استعادة أجزاء من ماضيه عبر البحث عن أصدقائه القدامى، ليكتشف أن كل لقاء هو مفارقة أخرى: فبراك تحول إلى خائن في عيون البعث ثم عاد ليكون بطلاً في عيون آخرين، وسعدون أصبح مفوض شرطة، وخليل البناء صار وجهاً إعلامياً يدافع عن السلطة التي كان يقاتلها.