رسائل لم تصل

تنساب الكلمات كأنهارٍ مترعة، تنسج حكاياتٍ لم تصل بعد، تتراقص على وتر الدهشة. هنا، تعيش الأرواح المتشظية في مدائن الشتات، كلٌ يحمل رسالته وبعضٌ من شقاء روحه، يرجو أن تجد طريقها إلى قلبٍ ما. رجلٌ يغرق في سُكْرِ اللحظة، ينفق ثروة الحصاد على باراتٍ تبتلعه، تاركًا خلفه أشباح فقرٍ تتخفى في دروب القاهرة. في مقابل، يصارع طالبٌ فاشلٌ سنواته الدراسية، أسير نمطٍ لا يرحم، محاطًا بعائلةٍ تتناقض كظل النور والظلام. ثم تطل الحياة برأسها الغاضب، رفْضٌ يُشعل فتيل الشتائم، وصراخٌ يمزقه الهواء، وطلقاتٌ ناريةٌ تكسر صمت الحقيقة. في شوارع المدينة المفككة، حيث تتجمهر الجثث وتتوارى قطيع الفيلة، وحيث تشير نظرات الاستغاثة من بعيد، يبدأ سباقٌ محمومٌ نحو المجهول، متسلقين درجات الأبراج الشاهقة، لا يعلمون أي خطرٍ ينتظرهم في الأعلى. رسائل لم تصل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhZFyvCnf2lHIs0I9oqxCrSg_VljZ_3O6GRmui8Hs00XCaeg3pf_mYB1VIwx36jo864_Xwv01Mb2jNryYVUGj6uAzQ5KrX9PRtmwNu8ETt-vcV-hxSjLhaU_XeUwtcDMH0DgTUltSc9G9chAJzZ-Es-j8Rdpasqaxf7pjRx43YSMmXpG5mqoYb8Bqcyqe4/s320/321.jpg

تنساب الكلمات كأنهارٍ مترعة، تنسج حكاياتٍ لم تصل بعد، تتراقص على وتر الدهشة. هنا، تعيش الأرواح المتشظية في مدائن الشتات، كلٌ يحمل رسالته وبعضٌ من شقاء روحه، يرجو أن تجد طريقها إلى قلبٍ ما. رجلٌ يغرق في سُكْرِ اللحظة، ينفق ثروة الحصاد على باراتٍ تبتلعه، تاركًا خلفه أشباح فقرٍ تتخفى في دروب القاهرة. في مقابل، يصارع طالبٌ فاشلٌ سنواته الدراسية، أسير نمطٍ لا يرحم، محاطًا بعائلةٍ تتناقض كظل النور والظلام. ثم تطل الحياة برأسها الغاضب، رفْضٌ يُشعل فتيل الشتائم، وصراخٌ يمزقه الهواء، وطلقاتٌ ناريةٌ تكسر صمت الحقيقة. في شوارع المدينة المفككة، حيث تتجمهر الجثث وتتوارى قطيع الفيلة، وحيث تشير نظرات الاستغاثة من بعيد، يبدأ سباقٌ محمومٌ نحو المجهول، متسلقين درجات الأبراج الشاهقة، لا يعلمون أي خطرٍ ينتظرهم في الأعلى.

رسائل لم تصل منوع - سلسلة كتاب لوتس 26 321 192 نوفمبر 2019 yes 201091985809 مجموعة مؤلفين جنسيات منوعة

ثلاثُ رسائلَ تتدلّى من سقف الواقع كفوانيسَ مكسورةٍ، كلّما حاولتَ إضاءتَها عاد الظلُّ أشدَّ كثافة. هذا ما تتركه "رسائل لم تصل" بين يديكَ: شظايا نصوصٍ لكتّابٍ التزموا الفصحى لسانًا لهمجيةِ المشاعر، وكأنهم يرفضون تسليمَ أحلامهم لِغتِنا اليوميةِ المبتذلة.

تبدأ الرحلة بإهداءاتٍ تكشفُ هواجسَ المرسلين: أستاذٌ راحلٌ يتحوّلُ إلى شاهدٍ على صفحاتِ الغياب، أمٌّ تذوبُ في حروفِ ابنتها، وزوجةٌ تصيرُ عنوانًا للرسائلِ التي لن تُطوى. هنا يُعلنُ الكتّابُ الحربَ على فكرةِ الوصول ذاتها، فكلُّ نصٍّ هو ظلُّ رسالةٍ احترقتْ قبل أن تُلقى في صندوقِ الزمن.

الروايةُ المركزيةُ تنزلقُ بكَ إلى عالمٍ ريفيٍّ مقلوبٍ: أبٌ يبدّدُ محاصيلَ الأرضِ في كؤوسِ القاهرة، وابنٌ عالقٌ في حلقةِ فشلٍ دراسيٍّ لا تنتهي، بينما تختفي ابنةُ العمِّ خلفَ أسوارِ العائلةِ الأرستقراطية. اللغةُ هنا تشبهُ سكينًا صدئًا تُقطعُ بها حقائقُ القهرِ الاجتماعيّ، لكنّ الدمَ الذي يسيلُ ليس دمَ الشخصيات، بل دمُ القارئِ الذي يكتشفُ جرحَه القديمَ في ثنايا السرد.

الجنونُ يطلُّ برأسهِ كشخصيةٍ أساسية: أفيالٌ تجوبُ الشوارعَ كأنها هاربةٌ من لوحةِ دالي، جثثٌ ترفعُ أذرعَها المزيّنةَ بأساورِ الذهبِ لتشيرَ إلى القاتل، بيوتٌ مسكونةٌ بذيولِ ثعابينَ خيالية. هذا ليس واقعًا سحريًّا، بل هذيانٌ ممنهجٌ لِعَصرٍ فقدَ قدرتَه على المفاجأة. الكاتبُ يلعبُ بورقةِ العبثِ كطفلٍ يرمي أحجارًا في بركةِ الوجود، ثمّ يراقبُ دوّاماتِ الأسئلةِ تبتلعُ نفسَها.

اللغةُ الفصيحةُ هنا ليست زينةً، بل سلاحٌ ضدّ التسطيح: جملٌ تُرفعُ كأعلامٍ في معركةِ الهويّة، كأنّ الكتّابَ يصرخون: "هذا ما تبقّى منّا حين تُسلخُ عنّا لهجاتُ الأيام". لكنّ الفصحى نفسَها تتحوّلُ إلى سجنٍ أحيانًا، حين تختنقُ الكلماتُ تحت وطأةِ التراكيبِ القديمة، كعاشقٍ يُرغمُ حبيبتهُ على ارتداءِ ثوبٍ من زجاج.

بين السطورِ تهربُ رسالةٌ أخيرة: ربما لم تصلْ لأنّها لم تُرسلْ أصلًا، أو لأنّنا -نحنُ القرّاء- صنعنا صناديقَ بريدٍ من قشّ، تذروها رياحُ القراءةِ الأولى. الكتابُ يصرُّ على أن يبقى ظلًّا لرسالةٍ مفقودة، وكأنّ كلَّ كلمةٍ فيهِ إشارةُ استغاثةٍ مرسومةٌ بدمِ الحبرِ الجاف.