المقدس سره

هيجتْ رائحةُ بخورٍ غريبةٌ، مزيجٌ من الصندل والزعفران، حواسَ أهل البلدة القديمة وهم يراقبون الجلادَ وهو يشعلُ النارَ في جسدِ "صانع الفخار". لم تكن رائحةُ اللُّعوتِ الكريهةِ قد تسربتْ إلى أنوفهم، بل ما فاضَ من كراماتٍ سرعان ما تتبخر. في ذلك المشهدِ، حيثُ تتناثرُ أشلاءُ الرجلِ على أعوادِ شجرةٍ ملعونة، بدأتْ حكايةُ "المقدس سره" تتكشف، خيوطٌ تنسجُ من تناقضاتٍ عميقةٍ، ومن رؤىً متشظيةٍ للإنسانِ والجغرافيا. رحلةٌ خاضها خبيرُ اللغاتِ القديمة، جادين جانو، عبرَ دهاليزِ مخطوطةٍ تظمُّ أحزانَ صانعِ الفخار، وأوجاعَ "البلاد الكبيرة" كلها، بحثاً عن إلهٍ يمنحُ الإنسانَ الفضلَ لنفسه. المقدس سره
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjsH1Otc5a_O-56DIStFU2NVTdlHtDlfeEaxVQiX5KfRIB8eMisl2N0sh3DB2NAvpeIA9uhDQYFt95G6_3-Hyep_PxxwSTbT67jJQo7ARZBfjBRL090g9IAiIj_PpoELMJR7Q9XRvZPJI6zOG0S47_p4WNFKKbAt4pmL1hXaGrirzT02FscUjEApMcb1TA/s320/447.jpg

هيجتْ رائحةُ بخورٍ غريبةٌ، مزيجٌ من الصندل والزعفران، حواسَ أهل البلدة القديمة وهم يراقبون الجلادَ وهو يشعلُ النارَ في جسدِ "صانع الفخار". لم تكن رائحةُ اللُّعوتِ الكريهةِ قد تسربتْ إلى أنوفهم، بل ما فاضَ من كراماتٍ سرعان ما تتبخر. في ذلك المشهدِ، حيثُ تتناثرُ أشلاءُ الرجلِ على أعوادِ شجرةٍ ملعونة، بدأتْ حكايةُ "المقدس سره" تتكشف، خيوطٌ تنسجُ من تناقضاتٍ عميقةٍ، ومن رؤىً متشظيةٍ للإنسانِ والجغرافيا. رحلةٌ خاضها خبيرُ اللغاتِ القديمة، جادين جانو، عبرَ دهاليزِ مخطوطةٍ تظمُّ أحزانَ صانعِ الفخار، وأوجاعَ "البلاد الكبيرة" كلها، بحثاً عن إلهٍ يمنحُ الإنسانَ الفضلَ لنفسه.

المقدس سره رواية 447 108 يوليو 2020 yes 201091985809 أحمد ضحية كاتب سوداني https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgjfDdbPzZhn1PJJbAdWTZnCyexmsu4_OwmHMMgMytSobxENVd5ksPgdZm6d0EgBbFs06HJrc5MTGDLEpUL2YjHnW0OZelBDyaQOpNrzeRqkx7ERY-txTTbyAjPkwhSeIb426G9z-vp1eItZ0CqEXnorabELWckYS8XeSdW-dt3BEvF9LncrSYhXyLCSYk/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B6%D8%AD%D9%8A%D8%A9.jpg

"صانع الفخار"، هذه الكلمات وحدها تحمل ثقل حضارات، وتشي ببراعة اليد وصبر الروح. أحمد ضحية، اسم يتردد صداه في أروقة "دار لوتس للنشر الحر"، يضع بين أيدينا روايته، "المقدس سره"، الجزء الثاني من رحلة "صانع الفخار". هذا ليس مجرد كتاب، بل هو استدعاء لتاريخ متشظٍ، ومرآة تعكس تناقضات النفس البشرية في "البلاد الكبيرة".

يبدأ النص بمشهد مهيب، يختلط فيه الألم بالإيمان. الجلاد يشعل النار في جسد "صانع الفخار"، لكن رائحة اللوتس الكريهة تتلاشى لتحل محلها عبق الصندل والعنبر والكافور. هذا التحول المذهل، حيث يتحول العذاب إلى عطر، يشي بأن هذا الإنسان لم يكن مجرد فخاري، بل كان كيانًا يتجاوز حدود المادة. يتأمل جادين جانو، خبير اللغات القديمة، في هذه اللحظة، وهو يتتبع خيوط حياة "صانع الفخار" عبر أنفاق المخطوطات ودهاليزها. رحلة استكشاف لأحزان رجل، تتشابك مع شجن بلاد بأكملها.

تتسع الرؤية لتشمل عائلة "المقدس سره"، هذا الرجل الذي يمثل مركز ثقل الرواية. زوجاته الأربع، كل منهن قصة بحد ذاتها، يمثلن فسيفساء من ثقافات "البلاد الكبيرة". من ابنة ملك قبائل الأشدّاء التي اختطفتها فصيلة استطلاع، إلى امرأة من صعيد النهر، كل واحدة منهن تساهم في نسج خيوط هذا الشعب الهجين. هذا الشعب، الذي يجري في عروقه عشرات الدماء، كان حلماً يراود "صانع الفخار" و"الخزين" معاً، حلماً بالتلاحم القومي الذي استلهموه من رسالات الرسل.

لكن حتى في قلب هذا التنوع، يظل هناك نداء خفي، حنين إلى الأصول، إلى عالم التماسيح والأفيال والنمر. هذا الإرث الموروث، الذي يحتفظ بأسطوراته الخاصة، يدفع بالكثيرين، عبر العصور، إلى حفر أنفاق تحت الجدار العازل الذي شيده "المقدس سره"، مستجيبين لذلك النداء الخفي. إنها حقيقة الإنسان، حين يضيق به الحال، يبحث عن جذوره، عن ذلك المكان الذي أنبت منه، حتى لو كان بعيداً.

تتوالى المشاهد، لتكشف عن عمق العلاقة بين "صانع الفخار" و"الخزين". في لحظة تسبق صلبه، يطلب "صانع الفخار" من "الخزين" أن يأخذ من رماده بعد ثلاثة أيام، وأن يلقيه في النهر إذا فاض، قائلاً له: "ارجع من حيث جئت بحق رب صانع الفخار". هذه الكلمات ليست مجرد وصية، بل هي إيمان بقدرة الروح على تجاوز حدود الموت، وقوة الإيمان التي يمكن أن تعيد الأمور إلى نصابها.

تتداخل الذكريات، وتبرز شخصية "نينـا"، الجدة التي عشقها الحفيد لعشرات السنوات. لقاؤها الأول مع "الخزين" كان لحظة فارقة، حيث ضغط على يدها بشدة، كأنه يعتصرها ليحتفظ بها إلى الأبد. منذ تلك اللحظة، لم يفارقها، بل أصبحا كائنًا واحدًا، تتجسد أنوثتها في كل لحظة، في مشهد متجدد، يجمع بين الشمس والقمر، بين النهر والجسد العاري.

تتجسد قوة "صانع الفخار" في مواجهته الأخيرة. حين يتهمونه بتقليد أساليبهم، يرد بصوت أشد صرامة: "جربتم معه التعذيب، أما أنا فسأجرب كل شيء!". هذه العزيمة، وهذا الإصرار على مواجهة الظلم، يذكرنا بأولئك الذين وقفوا في وجه الطغيان، غير مبالين بما سيحدث لهم. إنها روح المقاومة التي تتوارثها الأجيال.

تختتم الرواية بمشهد يجمع بين الجسد والروح، بين الفناء والبقاء. "صانع الفخار" يرمي رماده في النهر، مستجيباً لوصية سابقة، فيما تتجسد "نينـا" في صورة طاوسة تغوي طاووساً، جسدها يتفتت تحت وطأة الحب. هذه الصور المتشابكة، بين الألم والجمال، بين الفناء والخلود، هي ما يجعل من "المقدس سره" عملاً أدبياً يلامس شغاف القلب، ويجعلنا نتأمل في معنى الوجود، في ثنايا التاريخ، وفي أعماق النفس البشرية. إنها دعوة للقارئ لأن يرى ما وراء الكلمات، لأن يشعر بنبض الحياة في كل حرف، كما كان يفعل الشعراء العظماء حين ينسجون قصائدهم.