مقتل وطن

ليس كل من يناضل من أجل وطن يجد وطناً. هذا الكتاب يحكي عن نشتان، الشاب الكردي الذي حمل اسمه دلالة على انتمائه، وطاف في متاهات سوريا بحثاً عن حلم لن يتحقق. بين قريته في القامشلي وجامعة حلب، بين أحزاب تدعي النضال وأنظمة تقمع باسم الوحدة، يكتشف نشتان أن الخطر لا يأتي فقط من السلاح، بل من تحول الثوار إلى فصائله، ومن الأحلام التي تذوب في أول اختبار. إنها رواية عن الأمل الذي يولد في زنازين التعذيب ويموت في شاحنات الموت، عن رجال يبيعون أوطاناً بمقابل الشيكات، وعن نساء تدفعن ثمن حلم لا يخصهن. سردية مؤلمة، لكنها صادقة، تضع أمام عينيك سوريا التي لم نرها على شاشاتنا، التي تمزق ليس بقذائفها فقط، بل بأحلام أبنائها التي تحولت إلى جثث على حدود لا ترحم. مقتل وطن
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg_A9a5C0RQicESgx_eMDB2IVlQv2VIi-QTYkjrxePETijiuzPHkiKldkTkiLbey0QBIZfSKGTIJNLDOwnOxQx7ZUo8Il7gGhHZY3cR_-BYL2ELqfVtUJdo5EuPctQLaIJNHpWphRIk5lq6wC1TcKvMBRU0BsXatSVbon8-cVuWEpFknd6NyUu0A0wJPGc/s320/610.jpg

ليس كل من يناضل من أجل وطن يجد وطناً. هذا الكتاب يحكي عن نشتان، الشاب الكردي الذي حمل اسمه دلالة على انتمائه، وطاف في متاهات سوريا بحثاً عن حلم لن يتحقق. بين قريته في القامشلي وجامعة حلب، بين أحزاب تدعي النضال وأنظمة تقمع باسم الوحدة، يكتشف نشتان أن الخطر لا يأتي فقط من السلاح، بل من تحول الثوار إلى فصائله، ومن الأحلام التي تذوب في أول اختبار. إنها رواية عن الأمل الذي يولد في زنازين التعذيب ويموت في شاحنات الموت، عن رجال يبيعون أوطاناً بمقابل الشيكات، وعن نساء تدفعن ثمن حلم لا يخصهن. سردية مؤلمة، لكنها صادقة، تضع أمام عينيك سوريا التي لم نرها على شاشاتنا، التي تمزق ليس بقذائفها فقط، بل بأحلام أبنائها التي تحولت إلى جثث على حدود لا ترحم.

مقتل وطن رواية 610 248 أكتوبر 2021 yes 201091985809 فارس التمو كاتب سوري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgpi964qByFElxFRAt5SCf4YGXideUgLObnMkvqZLViDtXid9J_tUqoqNuQPz8wx2cNO1m9FqiKTaLNl5yPWR9QNJ5goVOPNugQeWE8o0E6eYOErHDYncTCp4y8CIm0UXNDLcEHtYQ09xOJyM1iESfmcisFGApXhn9XYzMUFeQi4iBc4RHESn7qclXTjXE/s295/%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88.jpg

تبدأ الرواية من قرية صغيرة في ريف القامشلي، حيث تتربى نشتان (والتي تعني الوطن بالكردية) بين أحضان أمه التي تكرس حياتها لتعليمه وتربيته، بينما يعيش شقيقه الأكبر جوان تجربة مختلفة تماماً. فوالدته، وهي امرأة كردية متمسكة بتقاليدها، ترى في التعليم بوابة النجاة من واقع القمع. غير أن الأقدار تختطف جوان عندما يقنعه الحزب بضرورة الانضمام إلى صفوفه، وتنتهي رحلته القصيرة في جبال قنديل، حيث تلفظ أنفاسه الأخيرة. مشهد اختفائه يظل هاجساً يرافق الأسرة، ويرسم وعياً مبكراً لدى نشتان بطبيعة الصراع وحجم الخسائر. لكن الصدمة الأولى لا تمنع الأم من التمسك بحلمها في ابنها الأصغر، الذي سلك درباً دراسياً واعداً، ليكتشف لاحقاً أن الطريق إلى الجامعة هو ذاته طريق السياسة والتناقضات.

عند انتقال نشتان إلى حلب لدراسة علم الاجتماع، تتسع مداركه وتكتشف عوالم جديدة. في الجامعة، يبدأ في تمييز وجوه النظام واختلاف درجات القمع بين فئة وأخرى. ينخرط في العمل الحزبي، متأثراً بقصص النضال الكردي وقمع النظام له. لكن سرعان ما تشيبه خيبة الأمل، عندما يرى انقسامات الأحزاب الكردية وانتهازية قادتها. يلتقي بآزاد، صديقه الناقد الذي يراه متشداً في مواقفه، لكن نشتان يظل متمسكاً برؤيته النضالية، تلك الرؤية التي ستقوده إلى الاعتقال والتعذيب على يد أجهزة الأمن السورية. مشهد الاعتقال هو واحد من أقسى فصول الرواية، حيث يتجلى الصراع بين إرادة الفرد وآلة القمع التي لا تعرف الرحمة، وتنكشف حقيقة أن الوطن لا يقاس بالانتماء القومي بقدر ما يقاس بثمن الدم الذي تدفعه الأجيال دفعة واحدة.

في وسط هذا السواد، يظهر بصيص أمل عبر علاقة نشتان بحنين، الفتاة العربية التي تدرس الهندسة المعمارية. علاقتهما تتجاوز الحواجز الطائفية والقومية التي فرضتها السياسة، وتصبح رمزاً لسوريا التي كان يمكن أن تكون. هذه العلاقة، التي نشأت بالصدفة، تتطور ببطء، وتوازن بين خوفه من عنصرية عائلتها أو انتمائها للنظام، وشجاعتها في تحدٍ لقناعاتها ونشأتها. لكن حنين ليست مجرد حبيبة، بل هي انعكاس لسوريا الأخرى، تلك التي تحلم أيضاً بالحرية. وعندما تندلع الثورة، يجد نشتان نفسه منقسماً بين حلمه الشخصي بالزواج منها، ونضاله من أجل وطن لا يستوعب حلمه، ويقرر بأن لا يفرق بينهما، فالحرية والكرامة لا تتحققان إلا بدماء الجميع.

على أرض الواقع، تتحول الثورة من تظاهرات سلمية إلى صراع دموي، وتأخذ المواجهات منعطفاً آخر. في القامشلي، يلتقي نشتان بالشيخ معشوق، القيادي الروحي، وبمشعل التمو، السياسي المخضرم. كلاهما يمثلان أنماطاً مختلفة من المقاومة، لكن مصيرهما واحد؛ الاغتيال على يد النظام بمساعدة وكلائه المحليين. مشهد اغتيال مشعل التمو، وهو يرفض عرض النظام بإعطائه شيكاً مفتوحاً مقابل تمزيق العلم السوري، هو القلب النابض للرواية. يجمع بين الشجاعة والتضحية، ويجسد فكرة أن الإنسان قد يختار الكفن بدل الشيك، لكن الأجهزة الأمنية تعرف كيف تقلب الموازين وتشعل الفتن بين الثوار أنفسهم.

تتحول الأحداث بعد اغتيال مشعل إلى فوضى، حيث تنهار التنسيقيات الثورية ويتحول النشطاء إلى فصائل تتصارع فيما بينها. يجد نشتان نفسه محاصَراً بين أحزاب تدعي النضال وتتنافس على كراسي الإمارة، وأنظمة تدفع الثوار نحو التطرف الديني أو القومي لحرق حلم الوحدة الوطنية. مشهد تحول آزاد، صديقه الثائر، من ناقد للأحزاب إلى عضو في المجلس الوطني الكردي، ومن ناشط إلى سياسي يردد الشعارات ولا يعود يعرف صديقاً، يعكس مأساة تحول الثورات إلى نزاعات نخبوية. وفي الجانب الآخر، يتحول ابن عمه هجار من ناشط في التنسيقيات إلى مقاتل في وحدات حماية الشعب، بينما يلتحق صديقه سامل بجبهة النصرة. وهكذا، تنتهي أحلام الثوار بمواجهة مميتة بين طرفين كانا بالأمس يرددان شعاراً واحداً في شارع واحد.

عندما تحاصر حنين في حمص، ويصبح الخطر على حياتها حقيقياً، يشعر نشتان بالعجز عن حمايتها. تقرر عائلتها الهجرة، وتقطع الاتصالات تاركة نشتان بلا أمل سوى اللقاء في المنفى. لكن قدره ينتظره في رحلة الهجرة الأخيرة، حيث يركب مع مجموعة من اللاجئين شاحنة مغلقة بإحكام في طريق النمسا. اختيار الكاتب لشاحنة الموت كنهاية للرواية هو بمثابة قفل درامي على مأساة كاملة؛ فثورات تحلم بالحرية تنتهي بجثث متكدسة على حدود الدول التي لا تريدهم. في تلك اللحظة الأخيرة، يغمض نشتان عينيه، ويحتضن حنين التي ترتدي فستان عرسها الأبيض في خياله، ليجمع بين حبين ضاعا في طريق البحث عن وطن. شاحنة الموت تحمل جثته وجثث من كانوا مثله، لكنها لا تحمل أوطاناً، فقط رفات لأحلام لم تجد مكاناً.