كوزيلي

في عالم يتساوى فيه القتلة بالضحايا، والحب بالسم، والخيانة بالقدر، تفتح رواية "كوزيلي" أبوابها على صالة مظلمة لا يدخلها إلا من يجرؤ على مواجهة مرآته. مصطفى أحمد الهواري يخلق متاهة نفسية، حيث تستدير الأدوار في لمح البصر، فلا تعرف من يمسك بالخنجر ومن يسقط صريعاً، فالقتلة يبكون والضحايا يضحكون. عبر لغة سردية تشبه النبض المتسارع، تتداخل الحكايات: امرأة تمارس القتل كفنٍّ تشكيلي، ورجل يكتب عن الموت فيقترب منه، وطفلة وحيدة تحلم بالثراء فلا تجد إليه سبيلاً إلا عبر أوحال الدم. وفي قلب هذا العالم يقبع مطعم "كوزيلي"، ليس مكاناً للقاء العشاق، بل مسرحاً حيث يُعرض القدر في أبهى صوره الساخرة. ليست هذه رواية بوليسية تقليدية، بل تأملٌ في طبيعة الشر، وفي السؤال الأثقل: حين يصبح الذكاء هو العملة المتداولة، فهل تظل للأخلاق قيمة؟ نصٌّ مكثف، ساخر، وموجع، يترك في روح القارئ ثقباً أسود لا يملؤه إلا السؤال التالي: من أنت حقاً في هذه اللعبة؟ الضحية أم الجاني؟ كوزيلي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEinMvoTeAffXpc72VcEwFpoOux8Lp9EqSxZNAZhJsLcBb4LouD4Fq64AL-ysd5aGTLj384Hv0-3Dn3AoLByQ1jCFdn3orr4pUK8nfIjUSmMl-3e0fBZ3_tsh8MPIGXXZw1ysMXbYND7zmLZmtM-QNF8cNTwamiHn6BmeqpE5hjTZk11M2BB67wW54dIK_s/s320/540.jpg

في عالم يتساوى فيه القتلة بالضحايا، والحب بالسم، والخيانة بالقدر، تفتح رواية "كوزيلي" أبوابها على صالة مظلمة لا يدخلها إلا من يجرؤ على مواجهة مرآته. مصطفى أحمد الهواري يخلق متاهة نفسية، حيث تستدير الأدوار في لمح البصر، فلا تعرف من يمسك بالخنجر ومن يسقط صريعاً، فالقتلة يبكون والضحايا يضحكون. عبر لغة سردية تشبه النبض المتسارع، تتداخل الحكايات: امرأة تمارس القتل كفنٍّ تشكيلي، ورجل يكتب عن الموت فيقترب منه، وطفلة وحيدة تحلم بالثراء فلا تجد إليه سبيلاً إلا عبر أوحال الدم. وفي قلب هذا العالم يقبع مطعم "كوزيلي"، ليس مكاناً للقاء العشاق، بل مسرحاً حيث يُعرض القدر في أبهى صوره الساخرة. ليست هذه رواية بوليسية تقليدية، بل تأملٌ في طبيعة الشر، وفي السؤال الأثقل: حين يصبح الذكاء هو العملة المتداولة، فهل تظل للأخلاق قيمة؟ نصٌّ مكثف، ساخر، وموجع، يترك في روح القارئ ثقباً أسود لا يملؤه إلا السؤال التالي: من أنت حقاً في هذه اللعبة؟ الضحية أم الجاني؟

كوزيلي رواية 540 72 مارس 2021 yes 201091985809 مصطفى أحمد الهواري كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi5QNTe47-s9AI4hRImRiOtKKU6fj-e4tWAk6ZYxZDxQ0F_iqhLPKhMlobXX4JEySb7yVClFBQe9uVX0hggRynfDVWpy2KqbUVEoYnDpTG01bmn7HUouD37ozYVoqeB3FXVUNXstZ1vr9WCO7O3uHZL3kykbmHvKWBlVCeC6fXjUU2-VSicPh0WM6y9nxI/s295/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A.jpg

تنفتح الرواية على مشهد ساحر غامض، حيث يجلس الراوي في مقهى "كوزيلي" ليكتب، ثم تظهر فجأة امرأة لم يرَ مثلها من قبل، فتخطف عقله وروحه قبل أن تختفي تاركة وراءها شالاً عبقاً برائحتها. غير أن هذه البداية الرومانسية لا تلبث أن تنقلب إلى كابوس حين يقرأ الراوي في الصحيفة خبر مقتل فتاة في السابعة والعشرين من عمرها، في المكان نفسه، ليلة أمس. من هنا، يبدأ النسيج السردي في التشكل كألغاز متداخلة: هل الفتاة التي رآها هي نفسها الضحية؟ ولماذا يشعر أن ثمة خيطاً غامضاً يربطه بهذا المقهى اللعين؟ هذا الحضور المزدوج للمقهى، كفضاء للقاء الأول وكمسرح للجريمة، يمنح النص بعداً رمزياً يجعل المكان بطلاً خاملاً وشاهداً صامتاً على تناقضات الحياة والموت.

غير أن بنية الرواية لا تستقر على سرد خطي واحد، بل تنقسم فصولها بشكل متوازٍ بين طرفين: الضحية والجاني، وكأن الكاتب يمنح القارئ فرصة النظر إلى الجريمة من خلال عيني الفاعل والمفعول به في آن. في فصول "الجاني"، نتعرف على جيهان، المرأة القاتلة المحترفة، التي تنفذ عملياتها ببرودٍ وحنكةٍ نادرين، مستعينة بذكائها الحاد وجمالها الساحر كسلاحين مكملين. جيهان ليست قاتلة مأجورة بالمعنى التقليدي، بل هي من تنفذ ما تصفه بـ"القدر"، متخفيةً خلف هويات متعددة وأزياء متقنة، ومستغلةً نقاط ضعف ضحاياها من رجال الأعمال الفاسدين. تتجلى عبقرية الشخصية في قدرتها على التحليل النفسي السريع، فتختار لكل ضحيةٍ فخاً يناسب شهوته أو غروره أو رغبته في السلطة. لكن السؤال الذي تطرحه الرواية بصمت: هل هي تنتقم للعدالة، أم أنها مجرد أداةٍ في لعبة أكبر، تجعل منها ضحيةً ومجرمة في وقتٍ واحد؟

في مقابل هذا الفصل، نتابع في فصول "الضحية" رحلة الكاتب ياسين عواد، الرجل الهادئ العاشق للموسيقى الكلاسيكية والقهوة، الذي يجد نفسه فجأة وسط عاصفةٍ لا يفهم أسبابها. لقاؤه بجيهان في المقهى لم يكن صدفة، بل كان اختباراً، كما تكشف له لاحقاً، اختباراً لذكائه وقدرته على الصمود. وما بين ارتجافات قلبه عند رؤيتها، وفضوله الذي يقوده إلى مطاردة خيوط لغزها، يجد ياسين نفسه منجذباً إلى شبكة من الأكاذيب والخدع، حتى يصل إلى نقطة اللاعودة: الاعتراف بحبه لها، وهو ما يجعله يفقد بصيرته ويكون فريسةً سهلةً في النهاية. غير أن دهاء جيهان لا يقف عند حد خداعه عاطفياً، بل يصل إلى استخدامه كأداةٍ لتنفيذ عملية قتل جديدة، هي عملية اغتيال رجل الأعمال "عاصم الجندي"، التي تتحول إلى مشهدٍ سينمائي متقن، ينسج فيه التوتر مع البرود، والرومانسية مع القسوة، لتظهر طبيعة العلاقة الملتبسة بينهما.

مع تقدم السرد، يتعمق البعد الفلسفي للرواية، الذي لا يكتفي بتقديم تشويق الجريمة، بل يطرح تساؤلات حول العلاقة بين المال والسلطة والذكاء والأخلاق. تظهر جيهان، في حواراتها مع ياسين، كأنها تجسيد لفكرة نيتشوية عن "الإرادة إلى القوة"، حيث لا يهمها الخير والشر بقدر ما يهمها الانتصار في لعبة البقاء للأذكى. هذا الطرح يصل إلى ذروته في المشهد الأخير، حيث تسمم جيهان ياسين، وتخبره ببرودٍ أن الحب هو صانع السكر، بينما هي تفضل الخمر الذي لا يُعمي البصيرة، ليكون موته شهادةً على سذاجة من يظن أن بإمكانه احتواء الشر. لكن الرواية لا تمنح جيهان انتصاراً كاملاً، فهي بدورها تصبح مطاردة من الشرطة، وتواجه مصيرها الذي خطته بيديها. المشهد الختامي، الذي يكشف أن كل ما سبق كان حلماً استيقظت منه بطلة أخرى تدعى "فريدة"، يفتح الباب على تأويلات متعددة: هل كانت كل الأحداث مجرد كابوسٍ في ذهن فتاة صغيرة، أم أن الحلم هو أقرب ما يكون إلى الحقيقة حين تصبح الحياة نفسها سيركاً من الدماء؟