سرفانتس المغربي

في رواية "سرفانتس المغربي" لا تجد بطلاً يخوض حروباً، ولا أبطالاً خارقين، بل تجد رجلاً يحمل حقيبةً وطباشير، يواجه جبالاً وعقارب وخنازير برية، ويكتشف أن أصعب معاركه ليست مع التضاريس، بل مع نظام لا يرحم، ومسؤولين يعشقون التعقيد، ومجتمع يختزل قيمته في لقب "معلم الصبيان". ياسين، الشاب الذي التحق بالتعليم الابتدائي متحمساً، يتحول سنة بعد أخرى إلى مرآة لواقع مرير، حيث تتداخل البيروقراطية القاتلة مع تفاهة الصراعات الإدارية، وحيث تتلاشى الروح في ظل روتين يمتد لعقود. ليست هذه مجرد سيرة ذاتية، بل رواية تنبش في طبقات المعاناة الصامتة لألاف المعلمين المنكوبين بين جبال المغرب النائية، وتطرح سؤالاً مزعجاً: كم من الأحلام تدفن في فصول الابتدائي؟ سرفانتس المغربي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEid4ddz0TF9yaSu2n_joTKgJsWvd99VHI-B8q3dAoojuCQTmczeLy_m8GTd5XCtMsWy-IYEaNKE1GJK_n5m-MYzC27AqDpdLIZGyM3_M4LgK0wvtGDNwha09Lq4liJ6iw691FJ06RluBtSq0POpabFUgL8So8bpKEWjOJkailcKbgo_lvyqN5v5YGJjIKg/s320/678.jpg

في رواية "سرفانتس المغربي" لا تجد بطلاً يخوض حروباً، ولا أبطالاً خارقين، بل تجد رجلاً يحمل حقيبةً وطباشير، يواجه جبالاً وعقارب وخنازير برية، ويكتشف أن أصعب معاركه ليست مع التضاريس، بل مع نظام لا يرحم، ومسؤولين يعشقون التعقيد، ومجتمع يختزل قيمته في لقب "معلم الصبيان". ياسين، الشاب الذي التحق بالتعليم الابتدائي متحمساً، يتحول سنة بعد أخرى إلى مرآة لواقع مرير، حيث تتداخل البيروقراطية القاتلة مع تفاهة الصراعات الإدارية، وحيث تتلاشى الروح في ظل روتين يمتد لعقود. ليست هذه مجرد سيرة ذاتية، بل رواية تنبش في طبقات المعاناة الصامتة لألاف المعلمين المنكوبين بين جبال المغرب النائية، وتطرح سؤالاً مزعجاً: كم من الأحلام تدفن في فصول الابتدائي؟

سرفانتس المغربي رواية 678 100 مايو 2022 yes 201091985809 عبد الرحمن أبوري كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhyTxJSoRo_mP-ZK_FXDEhaFvvgu2RI7KmfiyE4etdofV8XvgxrefPC-eD5gsF6Mgi7TdLWlaCFtY55pdpCgpUfqudEd6pWKyGV43oTTTH7Tb_czAk4jEMYo17aLnpY3jFhRTQIWSFku7FgfB4dr8A-NUhMDQksh8vXcHw5OiZb-DR_zQgjz9OBc1ry3-g/s295/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%A8%D9%88%D8%B1%D9%8A.jpg

هذا العمل، الصادر عن منشورات لوتس للنشر الحر في 2022، يحمل عنواناً ساخراً وموحياً: "سرفانتس المغربي: معلم الصبيان". غير أن السخرية هنا ليست عبثاً، بل هي قناع يخفي ألماً عميقاً، وأداة نقدية تفضح تناقضاً بين ما يُتوقّع من مهنة التعليم وما يُمارَس فعلياً في فصولها. الكاتب، عبد الرحمن أبوري، يختار بطلَه "ياسين" كي يمرّر من خلاله شهادة جيل كامل من معلمي الابتدائي في المغرب، أولئك الذين قضوا أعمارهم في "الفيافي" البعيدة، بعيداً عن المدن، بعيداً عن التقدير، وأحياناً بعيداً عن أبسط مقومات الحياة.

تبدأ الرحلة في منتصف التسعينيات، مع تعيين ياسين وصديقه حسن في دوار ناءٍ قرب تافراوت. المشهد الأول يضع القارئ في قلب المفارقة: حماسة شابين يحلمان بتغيير المستقبل، ثم انكماشهما في حجرة لا تصلح إلا لتربية الدجاج، وسط جبالٍ تلهب صيفاً وتُجمّد شتاءً، وسقفٍ تزوره العقارب والثعابين. من هنا، لا تتوقف الرواية عند حدود السرد الواقعي، بل تتحول إلى متاهة من العبث الإداري. فالمعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو جندي في حرب دائمة ضد نظام مركزي لا يرحم، وضد مسؤولين يقيمون العداوات على أساس "جدران القسم"، وضد مفتشين يعتبرون التحضيرات في كيس بلاستيكي جريمة تستحق الإقالة.

يتنقل النص بين فصول مختلفة، لا لتروي حياة ياسين فقط، بل لتوثيق تحوّله النفسي. يمرّ بمراحل: البداية الحالمة، ثم الصدمة، ثم المواجهة مع الرقباء، ثم التراجع إلى حالة من اللامبالاة، ثم البحث عن مخرج. في هذا السياق، يطرح الكاتب أسئلة وجودية حول قيمة العمل ذاته. ياسين، وهو يُفلسف مع زملائه في سيارة "النافيت" أثناء تنقلاتهم اليومية، يصل إلى قناعة أن التعليم الابتدائي، بتدريسه للصغار، هو "خدمة" وليس "مهنة" بالمعنى الرفيع، وأن المجتمع والنظام يختزلانه في صورة "معلم الصبيان" التي تحمل من الدلالات ما يفوق الإهانة. يبدو العنوان هنا استعارة بليغة، إذ يشير "سرفانتس" إلى كاتب "دون كيشوت"، ذلك الحالم الذي يصارع طواحين الهواء. ياسين، في دوّاره الخاص، يحارب طواحينه أيضاً: بيروقراطية متخمة، ونقابات عاجزة، وقوانين غير عادلة.

غير أن الرواية لا تكتفي بالتشخيص السلبي، بل تقدم رؤية نقدية أعمق للعلاقة بين الفرد والمؤسسة في المغرب. ذلك أنها تتعرض لتفاصيل يومية صغيرة، كالنزاعات حول التوقيت الوزاري أو صعوبة الانتقال بين المدن، لكنها تضعها في سياقها الكبير: أزمة الثقة بين المواطن والدولة، وهشاشة الطبقة المتوسطة التي ينتمي إليها المعلمون. حين يتحدث ياسين عن "الطبقة المتوسطة" التي تعاني أكثر من الفقراء والأغنياء، أو حين يصف حالته بعد سنوات من الدين والتقشف، فإنه لا يروي قصته فقط، بل يرسم ملامح طبقة كاملة تعيش على حافة الهاوية، غير قادرة على التقدم وغير قادرة على التراجع.