محاضرات في الشعرية العربية

رحلةٌ في متاهة المصطلح الأكثر إثارة للجدل في تاريخ النقد العربي: الشعرية. هذا الكتاب، الذي جاء على هيئة محاضرات، يقلب صفحات الموروث النقدي من الجاحظ والجرجاني إلى حازم القرطاجني، راصداً تحولات مفهوم الشعر بين عمود الخليل وبديعيات العصر العباسي. غير أن الرحلة لا تتوقف عند عتبات التراث، بل تعبر إلى الحداثة الشعرية العربية، حيث تُقرأ آراء مدرسة الديوان، ونازك المالئكة، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، وكيف تفاعل هؤلاء مع نظريات النقد الغربية، ليخرجوا بمفاهيم متباينة للشعر بين الرؤيا والكشف والتجريب. بأسلوب أكاديمي رصين، ولكن ليس بعيداً عن روح التساؤل، يعيد المؤلف تعريف القارئ بما يعنيه أن يكون النص شعرياً، في زمن تعددت فيه الرؤى وتشعبت المسالك. محاضرات في الشعرية العربية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgapUZtJgBGvsLSdRfHbxb_g7ZKLSYKPfh9ns9zUq53jXmO6_dgWxxoceEj0UUnKv19il9LR1LMdRtZ13e0jk9zRu_AGbnX64ofeT8vDhI8nLp89sEEB6COqz3u8y1UJ_qYB0NrRIk8uvUttQsIbVn4oesOduj7Kks6gLJmROwONZJR-R78Di96OmZZ5hA/s320/590.jpg

رحلةٌ في متاهة المصطلح الأكثر إثارة للجدل في تاريخ النقد العربي: الشعرية. هذا الكتاب، الذي جاء على هيئة محاضرات، يقلب صفحات الموروث النقدي من الجاحظ والجرجاني إلى حازم القرطاجني، راصداً تحولات مفهوم الشعر بين عمود الخليل وبديعيات العصر العباسي. غير أن الرحلة لا تتوقف عند عتبات التراث، بل تعبر إلى الحداثة الشعرية العربية، حيث تُقرأ آراء مدرسة الديوان، ونازك المالئكة، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، وكيف تفاعل هؤلاء مع نظريات النقد الغربية، ليخرجوا بمفاهيم متباينة للشعر بين الرؤيا والكشف والتجريب. بأسلوب أكاديمي رصين، ولكن ليس بعيداً عن روح التساؤل، يعيد المؤلف تعريف القارئ بما يعنيه أن يكون النص شعرياً، في زمن تعددت فيه الرؤى وتشعبت المسالك.

محاضرات في الشعرية العربية أدب 590 428 أغسطس 2021 yes 201091985809 د. نسيمة زمالي كاتبة جزائرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiIyN2fspPLrfbNawL5p88UNpSt_rcnz4EUCjfYo0C9xXNGHkpV7RkOoUTNbAe5EcKfGU949hlc0oatvRbYIaRCIN9tc2i5zBp4-qiCUy5HOBcrfNtk6zdUStu7sWxBt3KODfWd7yyDCNVaZWY9YO1O3Q2hRmLubXO9jo80MuFecFKvN7zsQ3psuK_70tI/s295/%D8%AF.-%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%B2%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A.jpg

يؤسس هذا العمل لرؤية متكاملة لمفهوم الشعرية في الثقافة العربية، ممتداً من جذوره في النقد القديم إلى تجلياته في المشهد النقدي المعاصر. ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين: الأول يتناول مفاهيم الشعرية العربية القديمة، حيث تبدأ الرحلة بالبحث في "الأدبية" كصفة جوهرية للنص الأدبي، متوقفاً عند آراء ابن سلام الجمحي وابن رشيق وعبد القاهر الجرجاني، لننتقل إلى مفهوم الشعر ذاته بوصفه كلاماً موزوناً مقفىً، غير أن هذا التعريف لم يخل من تطويعات وتفصيلات على يد نقاد مثل الجاحظ وابن قتيبة وابن طباطبا، كل بحسب رؤيته. هذا فضلاً عن تتبع وظيفة الشعر التي كانت تتأرجح بين النفع الأخلاقي والاجتماعي، والترفيه والمتعة الجمالية، مع الإشارة إلى التراجع الذي أصاب مكانة الشاعر حين تحول الشعر إلى مهنة وكسب.

بيد أن عمود الشعر يمثل المحطة الأبرز في هذا القسم الأول، إذ يُعرف بأنه المعيار الذي قاست به النقاد جودة الشعر، بدءاً بالآمدي الذي رأى أن البحتري أقرب إلى عمود الشعر من أبي تمام، مروراً بالمرزوقي الذي أضاف عناصر تفصيلية لهذا العمود، وانتهاءً بعبد القاهر الجرجاني الذي جعل من "نظرية النظم" حجر الزاوية في فهم الشعرية العربية، مؤكداً أن بلاغة الكلام لا تكمن في جودة الألفاظ ولا في جزالة المعاني وحدها، بل في التنظيم الخاص الذي يخلق علاقات بين الكلمات وفق قوانين النحو. من هنا، تتحول نظرية النظم من مجرد فكرة نقدية إلى مشروع تأسيسي يفسر سر الإعجاز القرآني، في الوقت الذي حاول فيه النقاد العرب تقديم تفسير لآلية الإبداع الشعري، موزعين بين من يرجعها إلى الوحي أو الإلهام، ومن يراها صناعة بشرية واعية.

أما القسم الثاني، فينطلق من التحول الكبير الذي أحدثته الحداثة الشعرية العربية، فيستعرض مفهوم الشعر عند مدرسة الديوان التي ثارت على محاكاة القدامى وأكدت على الصدق الوجداني وأصالة الطبع، لتعيد تعريف الشعر على أنه تعبير عن شخصية الشاعر وتجربته الإنسانية، لا مجرد تزيين لفظي. ومن ثم، تنتقل المحاضرات إلى "شعر" اللبنانية، التي حملت لواء التحديث الأكثر تطرفاً، بدعوتها إلى قصيدة النثر والرؤيا والكشف عن المجهول، متأثرة بالرموزية الفرنسية وحداثة إليوت، الأمر الذي أثار معارضة قوية من نازك المالئكة، التي مثلت موقفاً وسطياً بين القديم والجديد، إذ دافعت عن "الشعر الحر" بوصفه تنظيماً جديداً للوزن لا خروجاً عليه، ورأت في الخليل بن أحمد فرج الله الذي يسع الأوزان الحديثة، بينما رفضت قصيدة النثر جملة وتفصيلاً.

في مقابل ذلك، يستعرض الكتاب مفاهيم الشعرية لدى أدونيس، الذي قدم رؤية مغايرة جذرياً، جاعلاً من الشعر رؤيا لا رؤية، وكشفاً وتجريباً وتخطياً للثوابت، وهو ما قاده إلى الدفاع عن قصيدة النثر بوصفها الشكل الأكثر حداثة. ثم يأتي صالح عبد الصبور ليمثل نموذجاً آخر، حيث نظر إلى الشعر كعملية معقدة ومراحل متتالية، من الوارد إلى التكوين إلى التشكيل، وأصر على أن الشعر فكر ومعرفة، لا مجرد انفعال عاطفي، مكرساً بذلك دور العقل في الإبداع. كما يحلل الكتاب آراء نقاد جزائريين مثل رمضان حمود، الذي نادى بتحرير الشعر من قيد الوزن وربطه بالصدق الفني، وجمال الدين بن الشيخ، الذي قرأ الشعرية من منظور بنيوي، وحلل إيقاع الشعر من خلال القافية والروي والتراكيب النحوية والصرفية، ليخلص إلى أن الشعرية العربية ليست مفهوماً واحداً، بل هي حقل تجاذبت فيه الرؤى القديمة والحديثة، مما جعلها في حالة صراع وتجدد دائمين.