أولاد عم

في ريف الصعيد المصري، حيث تتداخل الدماء بالتراب، وتتشابك الخناقات بالجذور، تفتح مجموعة "أولاد عم" نافذتها على عوالم لا تعرف الهدوء. ليست القصص هنا مجرد حكايات عن صراعات عائلية، بل لوحات نابضة بالحياة ترسم تفاصيل مجتمع بأكمله، بقوانينه الصارمة، وبطولاته الهزلية، ومآسيه التي تنمو في هدوء كما ينمو القصب على ضفاف الترع. محمد عبد النعيم يكتب عن الفلاحين الذين ينامون إلى جوار جمالهم، وعن العمد الذين يحكمون بقبضة من حديد وطرافة لا تخلو من دهاء، وعن أولاد العم الذين يتحول خلافهم على لعبة أطفال إلى ثأر يزلزل القرية بأكملها. يمنحنا الكاتب فرصة لأن نتجسس على حياة لا تظهر في الأخبار، حيث البندقية أبلغ من الكلام، وحيث القصص الصغيرة تكشف عن وجع أكبر. بأسلوب يمزج بين الواقعية الساخرة والحس الإنساني العميق، تصبح هذه المجموعة رحلة إلى قلب الريف الذي لم يتوقف عن النبض رغم كل شيء. أولاد عم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh48CjPKPSa5tHSxcRnIVirYi8sPZ83r2PvGgRzE52F07OnCom1RiBKRcqFlXwAVu8OM6CewpIuV3eTNK2by9HcFrHk6fidfLV7nU-e_2R4ZyTFwhE53hMdgv2if7yDewvmaTeRtHCeQ5xSvbz4phEAkAU1sOv3euPx7w1EXGWfZM9Y8qDfQq0qLpVOKrI/s320/624.jpg

في ريف الصعيد المصري، حيث تتداخل الدماء بالتراب، وتتشابك الخناقات بالجذور، تفتح مجموعة "أولاد عم" نافذتها على عوالم لا تعرف الهدوء. ليست القصص هنا مجرد حكايات عن صراعات عائلية، بل لوحات نابضة بالحياة ترسم تفاصيل مجتمع بأكمله، بقوانينه الصارمة، وبطولاته الهزلية، ومآسيه التي تنمو في هدوء كما ينمو القصب على ضفاف الترع. محمد عبد النعيم يكتب عن الفلاحين الذين ينامون إلى جوار جمالهم، وعن العمد الذين يحكمون بقبضة من حديد وطرافة لا تخلو من دهاء، وعن أولاد العم الذين يتحول خلافهم على لعبة أطفال إلى ثأر يزلزل القرية بأكملها. يمنحنا الكاتب فرصة لأن نتجسس على حياة لا تظهر في الأخبار، حيث البندقية أبلغ من الكلام، وحيث القصص الصغيرة تكشف عن وجع أكبر. بأسلوب يمزج بين الواقعية الساخرة والحس الإنساني العميق، تصبح هذه المجموعة رحلة إلى قلب الريف الذي لم يتوقف عن النبض رغم كل شيء.

أولاد عم مجموعة قصصية 624 126 نوفمبر 2021 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiFpSGCRF5FRD86cfUBPFw29N3xSw-KpkC623ccGWdASm4NKqfQyhIzAHMxioC338s-3lv1SnfsZwNDr3pGPecYyYeUBNfpW4MeQ25sXiAVDB1JAG2o_tb9qeTQGEJ4gVXsYSAKnBWjSo7OnOjG6W73Rrt1ukBUnz7VTUxUpyR-v0wqj56m8d1fCvvj3zA/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

تتألف مجموعة "أولاد عم" من اثنتي عشرة قصة قصيرة، ينسجها محمد عبد النعيم بخيوط متقنة من واقع الريفي المصري، مستعرضاً حياة قرى الصعيد بكل تفاصيلها الحية. إذ تبدأ المجموعة بقصة "أولاد عم" التي تعكس جوهر الصراع العائلي، حيث يتطور خلاف بين ولدين صغيرين من عائلة واحدة إلى مواجهة عنيفة بين الآباء، تصل إلى إطلاق النار والمطاردة في غيطان القصب. تبرز القصة كيف يمكن للشيطان أن ينفخ في نار الغيرة والحسد حتى تتحول خلافات طفولية بريئة إلى عداوة تدميرية، وكيف تتوارث الأجيال العداوة لتتحول بعد الموت إلى محبة مفاجئة، وكأن الحياة تستعيد توازنها على حساب من رحلوا.

في قصة "عبده الجمال"، ينقلنا الكاتب إلى عالم الجمالين، حيث الجمل ليس مجرد حيوان، بل شريك حياة وصديق وكنز. عبده الذي نشأ مع الجمال، ورث مهنتها عن أبيه وأخيه، عاش حياته في حب الجمال وتفاصيلها، لكن المأساة تحل عندما يهجم جمل أخيه نادي عليه ويمزقه أمام الناس، فيحسم عبده قراره بترك المهنة نهائياً. نراه يتحول من "عبده الجمال" إلى سائق أجرة، وتتغير لغته وأخلاقه وكل شيء، وكأنه يغير جلده بالفعل. لكن المفارقة التي يرسخها الكاتب أن الماضي لا يموت بسهولة، إذ يظل الناس ينادونه بلقبه القديم، ويظل شوقه للجمال يظهر في لحظات الصفاء، حتى أن إحدى قصائده الجميلة عن الجمل تظل عالقة في أذهان من حوله.

تتطرق قصة "الشمعة" إلى الدهاء الشعبي الذي يلجأ إليه "طلب"، الرجل صاحب العاهة، عندما يكتشف أن جاره عيسى يسد عنه الماء ليلاً ويسرق ريّ أرضه. بدلاً من المواجهة المباشرة، يبتكر طلب خدعة شيطانية: شمعة موضوعة على قرص يابس من الجلة، تنساب مع الماء في ظلام الليل، لترعب عيسى الجبان الذي يظنها عفريتاً يطارد فوق سطح الماء. تتحول الخدعة إلى حكاية تظل تروى، ويكتشف الجميع أن "كل ذي عاهة جبار"، وأن الحيلة أحياناً تكون أقوى من القوة الغاشمة.

في قصة "أبو صفارة"، يرسم الكاتب شخصية "أبو المجد"، الرجل المثقف الذي طلق في تقليم الأشجار وقطع النخيل، لكن شهرته الحقيقية تأتي من موقف طريف حين يراهن رفيقه "عبد المنصف" على قدرته على أكل طبق كامل من البيض المسلوق. يفوز أبو المجد، وينهي ثلاثين أو أربعين بيضة دفعة واحدة، ثم يعلن أن نفسه تشتهي صفار البيض المسلوق، فيلتصق به اللقب "أبو صفارة" ويتوارثه أبناؤه. القصة هنا تعكس بساطة الحياة وطرافتها، وكيف تولد الأساطير الصغرى من مواقف تافهة لكنها تظل عالقة في الذاكرة الجمعية.

تقدم قصة "عصام سيف الدين" نموذجاً لتحول الشباب من الملاعب إلى المساجد، ومن التطرف الديني إلى التصوف. عصام، نجم كرة القدم في قريته، يقرر فجأة أن يترك الملعب ويلتحي ويبدأ حلقات وعظ متشددة، يحرم فيها الكرة والتلفزيون وكل مظاهر الحياة. لكنه يصطدم بواقع الناس الذين لا يتبعونه، وينفرون من غلظته، فيشعر بالفشل. ثم يكتشف طريقاً آخر للروحانية، من خلال التصوف وشيخ يلتقيه في سيدنا الحسين، فيتحول من متشدد إلى شخص يفتح ساحة للذكر ويعود حتى للعب الكرة. القصة تعكس تحولات الروح البشرية، وكيف أن التطرف ليس نهاية الطريق، بل قد يكون منعطفاً نحو بحث أعمق عن المعنى.

في قصة "التلفون"، نرى العمدة سالم، الرجل القوي المهيب، يواجه مأموراً جديداً يريد فرض سلطته، فيضربه في قلب مركز الشرطة، ويقدم استقالته بكرامة ثم يعاد تعيينه بعد شهرين. تتحول عودة التلفون إلى دار العمدة إلى عرس كبير، حيث يحمل "صالح" الكرسي الذي عليه التلفون ويرقص به في شوارع القرية، وكأن الكائن الإداري الرمادي أصبح بطلاً احتفالياً. القصة هنا تلامس علاقة السلطة بالهيبة، وكيف يمكن لرجل واحد أن يصنع استثناءً بقوته الشخصية، وكيف يتحول التلفون من آلة اتصال إلى رمز للكرامة المهزوزة والمستعادة.

أما قصة "القزازة"، فتحمل بصيصاً من الفكاهة السوداء، عندما يعثر فراش الجامع على قنينة خمر ملقاة على سطح المسجد، فيهرع غاضباً إلى العمدة. لكن القارئ يكتشف مع العمدة أن القنينة هي من بقايا سهرته هو وأصحابه، حين ألقاها على سطح الجامع "لأن الله ستار". تتحول الواقعة إلى نكتة خاصة بين العمدة ورفاقه، ودرس بأن الغفران أحياناً يكون من نصيب من يسترون على أنفسهم أولاً.

تتراوح باقي القصص بين حكايات سرقة صينية ذهبية من بيت العمدة، وكيف يستعيدها بـ"جديلي شعر" زوجة العمدة لطفي كإذلال، وقصة الخفير درويش الذي يُعين ثم يُفصل في أقل من أسبوع بسبب صراع بين رغبة العمدة ومبادئ ابنه، وقصة عسران صاحب مطعم الفول الذي يقدم طعامه للعمدة في أطباق صدئة، فيغضب الأخير ويكسرها ويسبه، فيقسم عسران ألا يصلي في جامع العمدة ثانية، ويظل على قسمه حتى بعد موت العمدة. كل هذه القصص تصور مجتمعاً تحكمه الأعراف بقدر ما يحكمه القانون، حيث كرامة الرجل هي أثمن ما يملك، وحيث التفاصيل الصغيرة (طبق صدئ، قنينة خمر، صينية ذهبية) قد تكون كافية لإشعال حرب أو إنهاء صداقة.