بقايا ذاكرة

تلقي "بقايا ذاكرة" بنظرةٍ على ما تخلّفه الأيام في روح الإنسان، كأنها تلك الرسائل الملونة التي نرسلها لأيامنا القادمة، نودع فيها ما نخشى نسيانه، وما نأمل أن يُفهم. السرد هنا لا يتبع خطًا مستقيمًا، بل يتلوى كجدول ماءٍ يبحث عن بحر، يطفو على سطحه حنينٌ إلى زمنٍ ربما لم نعده، وربما لم نعشه إلا في مخيلتنا. تستحضر الرواية تلك اللحظات التي تصبح فيها الأماكن ملأى بعبق الأشخاص الغائبين، كأن رائحة العطر القديم تتسلل من زوايا كل غرفة. تتشظى الذاكرة بين واقعٍ غامضٍ ومستقبلٍ مجهول، وتتلاقى فيه أسماءٌ وأحداثٌ تبدو مفككة، لكنها تحمل خيطًا رفيعًا يربطها ببعضها البعض، خيطٌ قد تدركه الأرواح المتعبة قبل العقول. إنها دعوةٌ للغوص في متاهة النفس، حيث يمتزج الحزن بالجمال، وتبدو الحقيقة أقرب إلى الحلم. بقايا ذاكرة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgTW3LbJAShTXE97k7YaWIOeElBl2E33hBfitk_coekRKzZAhie_miYMp7bue92kETi-Zsv1Yaq7PToEz5aBCiIdsTehbNuGnA_yqRGz9_KzWlyRD3BhpRhBxjku6S2WNIv_dp_pBv0Z7AZHD09BJK6lpyHAImDl8VcJFFFJx_8jKuUUbbnavPtljwR9Ew/s320/428.jpg

تلقي "بقايا ذاكرة" بنظرةٍ على ما تخلّفه الأيام في روح الإنسان، كأنها تلك الرسائل الملونة التي نرسلها لأيامنا القادمة، نودع فيها ما نخشى نسيانه، وما نأمل أن يُفهم. السرد هنا لا يتبع خطًا مستقيمًا، بل يتلوى كجدول ماءٍ يبحث عن بحر، يطفو على سطحه حنينٌ إلى زمنٍ ربما لم نعده، وربما لم نعشه إلا في مخيلتنا. تستحضر الرواية تلك اللحظات التي تصبح فيها الأماكن ملأى بعبق الأشخاص الغائبين، كأن رائحة العطر القديم تتسلل من زوايا كل غرفة. تتشظى الذاكرة بين واقعٍ غامضٍ ومستقبلٍ مجهول، وتتلاقى فيه أسماءٌ وأحداثٌ تبدو مفككة، لكنها تحمل خيطًا رفيعًا يربطها ببعضها البعض، خيطٌ قد تدركه الأرواح المتعبة قبل العقول. إنها دعوةٌ للغوص في متاهة النفس، حيث يمتزج الحزن بالجمال، وتبدو الحقيقة أقرب إلى الحلم.

بقايا ذاكرة رواية 428 122 يونيو 2020 yes 201091985809 سجى جراح كاتبة إماراتية

ذاكرةٌ تتكشف كزهرةٍ في صقيع يناير، تحملُ خيوطَ قصةٍ نسجتها "سوار سامي أحمد" في ديار الإمارات. النصُّ الماثلُ أمامنا ليس مجردَ رواية، بل هو صدىً لحياةٍ تتشظى بينَ ما كانَ وما هو كائن، وتتشبثُ ببقايا ماضٍ متواريٍّ خلفَ حجابِ النسيان. البدايةُ هنا ليستْ كباقي البدايات؛ ففي الصفحةِ الخامسة، تُهدى هذهِ الكلماتُ لمن زرعَ في النفسِ تجربةً جميلة، لمن كانَ البوصلةَ في رحلةِ البحثِ عن الذات. إهداءٌ يمتدُّ ليشملَ رقةَ القلبِ، ودفءَ العينينِ البنيتين، وروحَ الجمالِ الخالد. هُنا تختلطُ مشاعرُ الامتنانِ العميقِ بذكرى الوالدينِ اللذينِ غرسَا في الأبناءِ بذرةَ الطموحِ والرغبةِ في الأفضل، دعواتٌ صامتةٌ كانتْ ترتفعُ في جوفِ الليلِ طالبةً النجاحَ والديمومة.

تأتي عبارةٌ بعدَ ذلك، في الصفحةِ السادسة، تُلخِّصُ جوهرَ الروايةِ كرسالةٍ من مستقبلٍ بعيدٍ إلى ماضٍ أبعد؛ أشبهَ بمن يتأملُ مرآةً تعكسُ صورَ الأمسِ الغابر، يتساءلُ عن وجهِ الأيامِ التي انقضتْ، وعن أثرِها في تشكيلِ حاضرٍ غامض. في الصفحةِ السابعة، تستيقظُ الذاكرةُ على رائحةٍ مألوفة، تُعيدُ السوارَ إلى زمنٍ خلتْ فيهِ الأيامُ من ثقلِ الحاضر، زمنٌ كانَ فيهِ صوتٌ ينادي اسمها، صوتٌ غامضٌ يترددُ صداهُ في أرجاءِ المكان. يتجسدُ هنا الزمنُ كشخصيةٍ مراوغة، تقفُ على أعتابِ الماضي، تتأملُ صورَ النجاحِ التي أزهرتْ كورودٍ في حديقةِ العمر.

تتوالى الأحداثُ كأمواجٍ بحرٍ هائج، تارةً تلتطمُ برمالِ الحاضر، وتارةً تتلاشى في أفقِ المستقبل. في الصفحةِ الثامنة والعشرين، يظهرُ يومٌ جديدٌ في تقويمِ الذكريات، يومُ الاثنينِ السادسِ من سبتمبر عامَ ألفينِ وسبعةٍ وعشرين. يتجسدُ فيهِ شعورٌ غريبٌ بالتغيير، عواطفٌ جامحةٌ تفلتُ من عقالِ السيطرة، وتُقابَلُ بذهولٍ واستغراب. هنا، تتشابكُ خيوطُ القدرِ حينَ يلتقي وجهٌ مألوفٌ بوجهٍ غريب، سؤالٌ يترددُ في ذهنِ السوار: هل عرفتُ هذا الوجهَ من قبل؟ لكنَّ صوتَ الصراخِ يقطعُ هذا التأمل، صوتُ "حريقٍ" يُعلنُ عن فاجعةٍ وشيكة، تُجبرُ الأرواحَ على الفرارِ من لهيبِ الخوف.

في الصفحةِ ذاتها، تختلطُ مشاعرُ الخوفِ بالذهول، تتطايرُ الذكرياتُ كأوراقِ خريفٍ تذروها رياحٌ عاتية. المنزلُ يتحولُ إلى بحرٍ هائجٍ من الدموع، والقلبُ يبدو وكأنهُ يذوبُ في هذا الانهيار. تتوقفُ الحياةُ المدرسيةُ لأجلٍ غيرِ مسمى، وتُصبحُ الأيامُ كالحلمِ الجميلِ الحزين. السوارُ تنتظرُ بفارغِ الصبرِ ما ستخبئهُ لها الأيامُ القادمة، هل ستُثمرُ هذهِ الأحداثُ قصةً تستحقُ أن تُروى؟

ثم يأتي يومُ الخميسِ الثالثِ والعشرينِ من سبتمبر عامَ ألفينِ وسبعةٍ وعشرين. تتراءى في مركزٍ تجاريٍّ صغيرٍ طفلةٌ تُدعى "نرجس"، تقودُ السوارَ إلى لقاءٍ مصيريٍّ معَ شخصٍ يرتدي ملابسَ سوداءَ داكنة، تُشبهُ سماءَ الليلِ في ليلةِ اكتمالِ القمر. هل هوَ الأب؟ أم ربما والدُها؟ تتساءلُ السوارُ في حيرة.

وفي مشهدٍ آخر، تتجسدُ الرغبةُ في عدمِ الانفصال، في تكرارِ تلكَ اللحظةِ التي جمعتْ روحينِ تحتَ سقفِ السماءِ الواسعة. الثنائيُّ يجدُ نفسهُما مرةً أخرى، مُحرَّمٌ عليهما الحبُّ، لكنَّ عبقَ المشاعرِ يفوحُ من جديد، يمتزجُ فيهِ عبيرُ الروحينِ حتى لا تعودا تميزانِ نفسيهما. يتمنى المرءُ لو أنَّ الزمنَ توقفَ في تلكَ اللحظةِ الروحانية.

ينتهي جزءٌ من هذهِ الرحلةِ في الصفحةِ الثمانين، حيثُ تستيقظُ السوارُ أخيراً، وصحتُها في تدهور. تقررُ ترتيبَ منزلها الفوضوي، وفي خضمِّ هذا التنظيم، تعثرُ على حقيبةٍ قديمة. حقيبةٌ تحملُ بينَ طياتها مشاعرَها، أيامَها، أفكارَها، وحياتَها. حقيبةٌ تعودُ لعشرِ سنواتٍ مضت، تحوي ذكرياتٍ غامضةً لم تعدْ تتذكرها. تبدأُ بفكِّ رموزِ هذا الصندوقِ العتيق، تفتحُ ملفاتِ الصفِ العاشر، وتقرأُ رسائلَ معلماتها، ومن بينها رسالةٌ من معلمةِ اللغةِ العربيةِ "سام جوهر"، لكنَّ محتواها لم يُذكر. هذهِ الحقيبةُ أصبحتْ مفتاحاً لفكِّ شيفرةِ الماضي، وربما سبباً لتغييرٍ ما في الحاضر.