كانت لنا أيام

كان صوت انفعاله يمزق سكون اللحظة، "أنا طالق..."، فارتجفت الكلمات في الهواء لتصطدم بصدمة تسكن مساميعها. أحقاً نطقها؟ أين اختفى ذلك الحب الذي كان ينساب في شرايينهما كدمٍ دافئ؟ عاشت به، وله، وظل يحرق قلبها حتى الآن، لم تتوقع قط أن تكون النهاية هنا، وبهذه القسوة. للحظة، خيّل إليها أنها رأت شبح ندمٍ في عينيه، سرعان ما استدار ليغلق الباب خلفه بصلابة، تاركاً إياها في مواجهة فراغٍ يصم الآذان. سقطت دموعها كالمطر، تبلل أرض الخيبة. جسدٌ بلا روح، وعينان لا تتوقفان عن السيل، تهز رأسها في إنكارٍ مرير. كيف وصل حبهما إلى هذا الطريق المسدود؟ هل كان وهماً؟ كان يبوح بها، يذوب عشقاً بين يديها، أين ذهب كل هذا؟ ظنت أنها ستحيا عالماً من الحب، بيتٍ وأطفال، نهاية سعيدة بعد كل هذا العناء. لكنها استفاقت على كابوسٍ لم تكن تعرف له نهاية. كانت لنا أيام
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgFJbgf7MpSXHXsrxPXPW5DWoYc5C55Ej7I7_6890Fzt6lfsZU2cNGaAdP43oJ59h_3Fc_edc5bNS27oYdS_b2smbKKopnFv119W5Yh9MBORNozfQYCO3IlE_LrhkJedhKtR6-71_gKtgMpzFTxIk6ptl_-Td3LfykKP8qXRYlhAd9VFyEqt05nE2oI-Cg/s720/411.jpg

كان صوت انفعاله يمزق سكون اللحظة، "أنا طالق..."، فارتجفت الكلمات في الهواء لتصطدم بصدمة تسكن مساميعها. أحقاً نطقها؟ أين اختفى ذلك الحب الذي كان ينساب في شرايينهما كدمٍ دافئ؟ عاشت به، وله، وظل يحرق قلبها حتى الآن، لم تتوقع قط أن تكون النهاية هنا، وبهذه القسوة. للحظة، خيّل إليها أنها رأت شبح ندمٍ في عينيه، سرعان ما استدار ليغلق الباب خلفه بصلابة، تاركاً إياها في مواجهة فراغٍ يصم الآذان. سقطت دموعها كالمطر، تبلل أرض الخيبة. جسدٌ بلا روح، وعينان لا تتوقفان عن السيل، تهز رأسها في إنكارٍ مرير. كيف وصل حبهما إلى هذا الطريق المسدود؟ هل كان وهماً؟ كان يبوح بها، يذوب عشقاً بين يديها، أين ذهب كل هذا؟ ظنت أنها ستحيا عالماً من الحب، بيتٍ وأطفال، نهاية سعيدة بعد كل هذا العناء. لكنها استفاقت على كابوسٍ لم تكن تعرف له نهاية.

كانت لنا أيام رواية 411 544 مارس 2020 yes 201091985809 رشا الشناوي كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgdZuvDnP5Ot1ZhVQMIN0nQtVNeaxYv1i2qwV2MvoN6CgQNprTJoPyTz9vfJXlpchNjLxo79cZQySt2jnS1FDQAVmM6kiiAUfoS5XEb7aGn5wEcBQGDeoDO6ap4lCla7saUgeZAfF94CfsApT92XoLxCpEeWD72yuTlK75wjJedtHL-mBqdoaQQ2HNGApE/s800/%D8%B1%D8%B4%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%86%D8%A7%D9%88%D9%8A.jpg

انكسار الزجاج في لحظة غضب ليس مجرد ضجيج عابر، بل هو التوصيف الأدق لتلك اللحظة التي نطق فيها بكلمة "أنتِ طالق"، ليعلن سقوط الهيكل الذي شُيد لسنوات فوق رؤوس ساكنيه. تفتتح رشا الشناوي سرديتها "كانت لنا أيام" بهذا المشهد الجنائزي للعلاقة الزوجية، حيث يقف الحب مذهولاً أمام وقع الكلمات التي لا يمكن استردادها بمجرد خروجها من الفم. تبدأ الحكاية من نقطة النهاية، من ذلك الباب الذي أُغلق بقوة ليفصل بين ماضٍ كان يفيض بالوعود ومستقبل صار فجأة ضبابياً وموحشاً، وكأن الكاتبة تستحضر صرخة "فريدريك نيتشه" حين قال إن العواصف الكبرى هي التي تخبرنا أن جذورنا لم تكن بالعمق الذي تخيلناه. المرأة التي ظنت أنها بايعت الزمن على سعادة أبدية، تجد نفسها فجأة فوق رصيف الوحدة، تتساءل في إنكار مرير عن ذلك المخزون من الحكايات والقبلات والوعود: كيف يتبخر في ثوانٍ معدودة وكأنه لم يكن؟

تنتقل الخيوط الدرامية بعد ذلك لترسم لوحة معقدة عن الروابط الأسرية التي لا تقل قسوة عن انكسارات العاطفة، حيث يبرز الصراع بين الأبناء والأم، وبين الواجب والتضحية. تجسد شخصية "سما" المحور الذي تدور حوله آلام النكران، فهي الأم التي وهبت عمرها لتجد نفسها في مواجهة اتهامات بالتقصير أو بالهروب من المسؤولية في لحظات الضعف. يظهر "حمزة" كصوت للضمير المتردد، ممزقاً بين الوفاء لأمه التي لم تطلب شكراً مقابل احتراقها لأجلهم، وبين ضغوط شقيقته "لارا" التي تتشبث بأخيها "مازن" حتى لو كان على باطل. هذا التشابك الإنساني يعكس حقيقة أن البيوت ليست مجرد جدران، بل هي مختبرات للأرواح، يختبر فيها المرء معدنه الأصيل حين تضيق السبل وتكشر الحياة عن أنيابها. القسوة هنا لا تأتي من الغرباء، بل من دماء المرء التي تجمدت في عروق الأبناء، مما يجعل الألم يتضاعف ليصبح وجودياً لا مجرد خلاف عابر.

في المقابل، يبرز عالم العمل والاجتماع كمرآة أخرى للتوتر، حيث تظهر شخصية الدكتور "أدهم" والدكتورة "شيرين" لتعيد صياغة مفهوم الغيرة والتهديد الصامت للاستقرار الزوجي. تحت أضواء الحفلات البراقة والمجاملات الاجتماعية، تدس "ليلى" سم التحذير في أذن "سما"، منبهة إياها إلى تلك الجرأة الزائدة التي تبديها شيرين تجاه أدهم. هنا، يتحول النص من الدراما الأسرية إلى ما يشبه "البارانويا" العاطفية، حيث تصبح النظرات والكلمات العابرة أدلة اتهام في محكمة القلق. إنها اللحظة التي تدرك فيها المرأة أن معاركها لا تنتهي عند حدود باب منزلها، بل تمتد إلى كل زاوية يطؤها زوجها، وكأن الطموح الأنثوي للطرف الآخر يتحول إلى نصل يهدد أمنها الشخصي. هذا الاضطراب الذي أصاب "سما" في الحفلة، جعلها تشرد عن الواقع، لتدرك أن الخطر يكمن في التفاصيل الصغيرة التي نتجاهلها عمداً حتى تنفجر في وجوهنا.

تنسج الرواية فلسفتها الخاصة حول مفهوم التضحية، متسائلة إن كان الحب وحده كافياً لترميم ما أفسده النكران، أم أن الحياة تشبه في قسوتها قوانين الطبيعة التي لا تعترف بالضعفاء. "سما" التي كانت تحلم ببيت وأطفال ونهاية سعيدة، تستيقظ لتجد نفسها في كابوس لا تعرف ملامحه، وكأنها تعيد تمثيل مأساة مدن بأكملها هُدمت فوق رؤوس أصحابها ولم يبقَ منها سوى الأطلال. إن الصراع بين "حمزة" و"لارا" حول مسامحة الأم أو الانحياز للأخ المخطئ، يضع القارئ أمام مرآة صادقة لتعقيدات النفس البشرية التي تبرر أخطاءها تحت مسمى الحب أو القرابة. ليس هناك أبيض أو أسود مطلق في هذا العالم، بل ظلال رمادية تتسع وتضيق بحسب قدرة الفرد على الصمود أمام عواصف الندم والغيرة.