في جحر الأرانب

تتسرب حلقات الدخان من غليون غريب، تتسع وتتضخم في هواءٍ راكد. هل يهرب هذا الدخان أم يستسلم؟ نافذةٌ مفتوحة، لكن الرغبة في الخروج تبدو بعيدة المنال. ثمة حوارٌ يدور، أسئلةٌ عن أصلٍ صعيــدي، وعن عاملٍ في مصنعٍ للحديد والصلب. ثم تتلاشى الذاكرة، تتناثر ذكريات موتٍ متكرر، قفزٌ من شاهق، واصطدامٌ بقطار، ونزفٌ حتى النهاية. أيُّ حياةٍ هذه التي تتشظى هكذا، وتُعادُ صياغتها في كل مرة؟ أين يكمن الخيط الذي يربط بين هذه الموتات، وبين هذا الرجل الذي يدخن غليونًا برائحةٍ غريبة؟ ما الذي يريده حقًا؟ صورٌ أخرى تتكشف، وجوهٌ مبتسمةٌ تقف بجوار امرأةٍ جالسة، ابتساماتٌ تبدو مصطنعة، كأنها قناعٌ يخفي حقيقةً أعمق. في جحر الأرانب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi8h9UTQ_SbpY7bhyphenhyphenHwICtTaE5FG3qbU9XnbjSZCpwUXZwUMF5tiOI2iul9TN5znYOBdgAGUFeRrMSSf9hTQd2DBwWqeM0E1374JDev4ZfAMrOYz-giZrjmudMp49xIF2YpT6r2JugQPJwuHW9momxnLah5I6vIFG6N8bXiLWAinGKQE5MEkdpAkLlPby8/s320/240.jpg

تتسرب حلقات الدخان من غليون غريب، تتسع وتتضخم في هواءٍ راكد. هل يهرب هذا الدخان أم يستسلم؟ نافذةٌ مفتوحة، لكن الرغبة في الخروج تبدو بعيدة المنال. ثمة حوارٌ يدور، أسئلةٌ عن أصلٍ صعيــدي، وعن عاملٍ في مصنعٍ للحديد والصلب. ثم تتلاشى الذاكرة، تتناثر ذكريات موتٍ متكرر، قفزٌ من شاهق، واصطدامٌ بقطار، ونزفٌ حتى النهاية. أيُّ حياةٍ هذه التي تتشظى هكذا، وتُعادُ صياغتها في كل مرة؟ أين يكمن الخيط الذي يربط بين هذه الموتات، وبين هذا الرجل الذي يدخن غليونًا برائحةٍ غريبة؟ ما الذي يريده حقًا؟ صورٌ أخرى تتكشف، وجوهٌ مبتسمةٌ تقف بجوار امرأةٍ جالسة، ابتساماتٌ تبدو مصطنعة، كأنها قناعٌ يخفي حقيقةً أعمق.

في جحر الأرانب مجموعة قصصية 240 188 يوليو 2019 yes 201091985809 جابر القصاص كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg_oLdzZkLiLeftcjaDNw7lJRtL82bh3tUay-FGQ89I97cHRcPiAUiUMxiBoVUA6hS5zkWSadouOBWdjdpxt5MHreKWb-sIcw7tsTR1qFLRdWs_CtW30H8v5M8TaLWr3Bcr2cxPM38BT3yhkXq2H08sXX4A3_oJDCjJXlaiPm2knxkTJ5hCZt0ipdXNXSw/s800/%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A7%D8%B5.jpg

في جحر الأرانب، ينسج جابر القصاص خيوطًا من أفكار تتشظى كزجاج قديم، لا تتناثر بل تتجمع في صورٍ تستوطن الروح. تبدأ القصة بحلقات دخان تتصاعد، تتسع وتتضخم، كأنها إرثٌ من الأسئلة العالقة. يتشظى الجسد في موتاتٍ متعددة؛ قفزة من شاهق، مواجهة قطار، شق شرايين، كلٌ منها يترك أثرًا لا يمحوه الزمن. هنا، لا تبدو الحياة مجرد رحلة خطية، بل متاهةٌ من التجارب المتكررة، حيث تتشابه النهايات وتختلف البدايات، ويتداخل الحقيقي بالمتخيل.

يغوص النص في أغوار النفس البشرية، مستكشفًا هشاشتها في مواجهة أشباح الماضي، تلك التي تلوح كمرآةٍ مشوهة تعكس هواجسنا. في مشهدٍ يحمل بصمات سارتر، يتجسد البحث عن الذات في مواجهة الآخر، حيث تتردد الأسئلة: "هل أنت شبح؟" إنها دعوةٌ للنظر في الوجود، ليس كوجودٍ ثابت، بل كوجودٍ يتقلب بين الحضور والغياب، بين اليقين والشك.

يستحضر النص ذكرى صديقٍ بديـن، توفيق، الذي واجه ثقل الحياة بمائتي رطل من الدهون الخالصة، لكنه حمل في روحه خفةً قادرة على تحويل المأساة إلى فكاهة. كان صديقًا نادرًا، يمنح ضحكته لمواجهة عتمة الوجود، ويحول رتابة الأيام إلى لحظاتٍ نابضة بالحياة. حتى حكاياته عن البيوت المسكونة، والجنّيات الحسناوات، لم تكن مجرد خيالات، بل كانت تعبيرًا عن رؤيته للعالم، رؤيةٌ تمنح الجمال لمن يبحث عنه، حتى لو كان في صورة جنية.

تتوالى القصص كقطعٍ متناثرة من فسيفساء الحياة، بعضها يلمع ببريق الفرح، وبعضها الآخر يغلفه غبار الحزن. هناك قصة الأستاذ عبد التواب، الذي تحول من "سيبويه العصر" إلى مجرد معلمٍ يحفظ دون فهم. لقد كسر الراوي صنم الجهل، وأسقط هيبة المعلّم الزائف، مدركًا أن إسقاط الأصنام هو ضرورةٌ لبناء الوعي. هذه الهدم ليس تدميرًا، بل هو تهيئةٌ للأرض لزراعة حقائق جديدة، وإن كلف ذلك ثمنًا باهظًا.

تتسرب إلى النص لمحاتٌ من العنف، كأنها صدمةٌ مفاجئة في نسيجٍ هادئ. عينا رجـلٍ ضيقتان، لكنهما تحملان رعبًا طاغيًا، يحدق بثبات، يتهم الآخر بالرغبة في الانتقام. إنها لغةٌ باردة، لزجة، تدفع نحو الاعتراف، نحو فهمٍ أعمق للنفس البشرية، حيث يتداخل السعي للمعرفة مع الرغبة في ردّ الأذى. في هذه اللحظة، يتحول البحث عن الحقيقة إلى مواجهة، وحين يطلب الرجل المساعدة، يندلع العنف ليغطي على الأسئلة المعلقة.

يشكك النص في علم النفس، ويرى فيه مجرد "حذلقة" و"احتيال". إننا نعرف سلوك البشر، نتفاعل معه، لكننا نلتف حوله بمصطلحاتٍ غامضة، نعطي أسماءً علمية لأشياء نعرفها غريزيًا. "العصاب"، "الذهان"، "الهو"، "الأنا"، كلها كلماتٌ تضيع في متاهة اللغة، بينما يظل جوهر الفهم كامنًا في التجربة الإنسانية المباشرة. لا يمكن للعلم أن يختزل تعقيدات المشاعر الإنسانية في معادلاتٍ ثابتة، فالحياة تتجاوز التعريفات الجامدة.

في جحر الأرانب، لا توجد نهايات واضحة، بل دوائر من الأسئلة تعيد طرح نفسها. تتصاعد حلقات الدخان، وتتشظى الصور، وتتداخل الذكريات، ليظل القارئ أمام مرآةٍ يعكس فيها جزءًا من ذاته، وجزءًا من تعقيدات الوجود الإنساني. إنها دعوةٌ للتأمل، لا للوعظ، لعيش التجربة بكل أبعادها، لا لمجرد حفظ تفاصيلها.