الليالي السوداء

في ليلةٍ حالكةٍ من ليالي الشتاء، حيثُ يختفي القمر وتشتدّ الظلمة، لا يجدُ أربعةُ أصدقاءَ وسيلةً للترفيهِ سوى لعبةٍ غامضةٍ أحضرها أحدهم. تبدو اللعبةُ بريئةً في ظاهرها، لكنها سرعانَ ما تنقلبُ إلى كابوسٍ يفتحُ أبوابَ عالمٍ موازٍ، حيثُ تنبضُ القبورُ بالحياة، وتتجسّدُ الأحلامُ لتُصبحَ كوابيسَ نابضةٍ بالرعبِ والحقيقة. روايةٌ تأخذُ القارئَ في رحلةٍ مرعبةٍ بينَ شوارعِ الإسكندريةِ القديمةِ ومقابرِ بني سويفَ المنسية، حيثُ يُطارِدُ البطلُ شبحَ امرأةٍ ميتةٍ، ويكشفُ عن طلاسمَ فرعونيةٍ وسحرٍ سامريّ، ليصلَ في النهايةِ إلى حقيقةٍ مُفزعةٍ: أنَّ أفظعَ ما في هذه اللعبةِ ليس خسارتها، بل الانتصارُ فيها. الليالي السوداء
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi5lYmSdpTQ_1Ox2DxkLawEof23MG-6TDjMd5QxPBJ-tdZSZZsHDVsdJTAkjuUg8225-uxRPtVeMM5xeX-XBL5f-CfzTjjuzxxx3bcISH_OBBQmaTBjP8-0n93IvlKVp5I7GDCT1tjJWWwSj3yXBhXyVtLk7cBfUxxEIKKn30ywXmBUqWcD5hTQwgBS310/s320/532.jpg

في ليلةٍ حالكةٍ من ليالي الشتاء، حيثُ يختفي القمر وتشتدّ الظلمة، لا يجدُ أربعةُ أصدقاءَ وسيلةً للترفيهِ سوى لعبةٍ غامضةٍ أحضرها أحدهم. تبدو اللعبةُ بريئةً في ظاهرها، لكنها سرعانَ ما تنقلبُ إلى كابوسٍ يفتحُ أبوابَ عالمٍ موازٍ، حيثُ تنبضُ القبورُ بالحياة، وتتجسّدُ الأحلامُ لتُصبحَ كوابيسَ نابضةٍ بالرعبِ والحقيقة. روايةٌ تأخذُ القارئَ في رحلةٍ مرعبةٍ بينَ شوارعِ الإسكندريةِ القديمةِ ومقابرِ بني سويفَ المنسية، حيثُ يُطارِدُ البطلُ شبحَ امرأةٍ ميتةٍ، ويكشفُ عن طلاسمَ فرعونيةٍ وسحرٍ سامريّ، ليصلَ في النهايةِ إلى حقيقةٍ مُفزعةٍ: أنَّ أفظعَ ما في هذه اللعبةِ ليس خسارتها، بل الانتصارُ فيها.

الليالي السوداء رواية 532 168 فبراير 2021 yes 201091985809 د. أحمد إبراهيم مكاوي كاتب مصري

تبدأ الروايةُ بمشهدٍ تاريخيٍّ مقتضبٍ في معبدِ إهناسيا القديم، حيثُ يفرّ كاهنانِ من جنودِ الفرعون، حاملينَ سراً وطالسمَ قد تبقى أثرُها لآلافِ السنين. غيرَ أنَّ هذا المشهدَ ليس سوى مقدمةٍ تُنبئُ بأنَّ ثمّةَ خيطاً غامضاً يربطُ الماضيَ السحيقَ بالحاضرِ الراهن. ففي ليلةٍ سوداءَ باردةٍ من ليالي يناير، يجتمعُ الأصدقاءُ الأربعةُ: شريف، فؤاد، حسين، وفوزي، في منزلِ فؤادَ الثريّ، بحثاً عن الترفيه. فيُخرجُ فؤادُ لعبةً إلكترونيةً غريبة، يروي أنَّ صاحبها اشترطَ أن تُلعبَ فقط في الليالي السوداء. سرعانَ ما تتحولُ اللعبةُ من مجردِ تسليةٍ إلى أداةِ كشفٍ مروّع، حيثُ تطرحُ أسئلةً لا تتعلقُ بالمعرفةِ بقدرِ ما تتعلقُ بالصدقِ والفضائحِ المخبّأة.

يُثيرُ السؤالُ الثالثُ، الذي يدورُ حولَ حدثٍ مؤلمٍ في الماضي، التوترَ بينَ الأصدقاء، ويُفصحُ عن مأساةٍ قديمةٍ تورّطوا فيها بحقّ (عم فراج)، الحارسِ البريء. بيدَ أنَّ اللعبةَ لا تتوقفُ عندَ هذا الحدّ. إذ تأمرُهم بالذهابِ إلى المقابرِ في عزِّ الليلِ لتنفيذِ حكمٍ غامض، لتكونَ بدايةُ سلسلةٍ من الأحداثِ المرعبةِ التي ستُغيّرُ حياتهم إلى الأبد. فالرحلةُ الليليةُ إلى (مقابر العمود) في الإسكندرية، موطنُ مقابر (ناقصي الأهلية)، تتحولُ إلى مواجهةٍ مع جثةٍ تجلسُ على حافةِ قبرها، ووجهِها الأزرقِ الذي سيُصبحُ طيفاً مُلاحقاً لبطلِ الروايةِ شريف.

يكتشفُ شريفُ، الذي يروي معظمَ الأحداثِ بضميرِ المتكلم، أنَّ اللعبةَ ليست سوى مفتاحٍ لسرٍّ أعمقَ، يتعلقُ بامرأةٍ تدعى (مجبورة عبد المقصود). من هنا، تتحولُ الروايةُ من حكايةِ رعبٍ فرديةٍ إلى رحلةِ تحقيقٍ بوليسيةٍ ممتدةٍ عبرَ الجغرافيا المصرية. ينتقلُ شريفٌ بينَ الإسكندرية والقاهرة وبني سويف، باحثاً عن خيطٍ يصلُ بينَ اللعبةِ المشؤومةِ وتلكَ المرأةِ التي عُرفتْ في قريتها بالساحرةِ التي تُرهبُ الأطفالَ وتسحرُ العقول. وفي هذا السياق، يُقدّمُ الكاتبُ عبرَ لسانِ شخصياتٍ ثانويةٍ، مثلَ (عم حسني) حارسِ العمارةِ و(عم خميس) حارسِ المقابر، و(الشيخ حمدان) إمامِ القريةِ، و(الدكتور برهان) الخبيرِ في الآثارِ والتاريخِ المصري، نسيجاً غنياً من المعلوماتِ عن السحرِ الفرعوني، والطقوسِ الجنائزية، وعالمِ الجنِّ والطلاسم. هذا التطعيمُ المعرفيُّ لا يُثقلُ السردَ، بل يمنحُ الروايةَ بُعداً واقعياً يجعلُ أحداثَها الخارقةَ شبهَ مُمكنة.

تتوزعُ الروايةُ بينَ عدةِ خطوطٍ سردية، أبرزُها خطُّ شريفَ المحققِ المرهَق، وخطُّ فؤادَ الذي يعيشُ كابوساً منفصلاً لكنه متصلاً بالعقدةِ نفسها، وخطُّ غيابِ (حسين) الغامضِ الذي يضيفُ بُعداً آخرَ من الغموضِ والقلقِ على الأصدقاء. هذه التعدديةُ في وجهاتِ النظر، وإن كانت محدودةً في بدايتها، تتيحُ للقارئِ رؤيةَ الصورةِ من زوايا مختلفة، وتُعزّزُ الإحساسَ بالارتباكِ الذي يعيشهُ الأبطال، حيثُ لا أحدَ يعرفُ الحقيقةَ الكاملةَ، والكلُّ يحاولُ رؤيةَ قطعةٍ من اللغزِ الهائل. ومعَ تقدّمِ الأحداثِ، يتضحُ أنَّ (مجبورة) لم تكنْ مجردَ ساحرةٍ شريرة، بل كانت ضحيةَ طمعِ زوجها وساحرٍ آخرَ أوصلها إلى مغارةٍ فرعونيةٍ مدفونة، حيثُ حصلتْ على (عصا الكاهن) التي أصبحتْ مصدرَ قوتها، ولعناتها التي أطاحتْ بكلِّ من آذاها.

العصا، تلك القطعةُ الأثريةُ ذاتُ الرأسِ الثعبانيّ، تُمثلُ جوهرَ الصراعِ في الرواية. فهي ليست مجردَ شيءٍ مادي، بل هي وعاءٌ للروحِ الحارسةِ لصاحبِ المقبرةِ الفرعونية، وهي نفسُها اللعبةُ التي تبدأُ القصةَ، وكأنَّ اللعبةَ الإلكترونيةَ ليست سوى واجهةٍ حديثةٍ للطلسمِ القديمِ المُحرَّم. تحاولُ شخصياتُ الروايةِ المختلفةُ، كلٌّ لأجلِ غرضهِ، الحصولَ على هذهِ العصا. (فؤاد) يُضغطُ عليه من قِبل (الدكتور برهان) الذي يتبينُ أنه ليس سوى (الشيخ سامح) الذي خدعَ (مجبورة) قديماً، أو ربما خادماً له، وذلك لاستعادةِ العصا. في المقابل، يُقرّرُ شريفٌ وفريقُهُ مقاومةَ هذا الإغراءِ والتهديد، ويدركونَ أنَّ استعادةَ العصا ونقلَها من مغارتها هو عملٌ شيطانيٌّ يجبُ إيقافُه، حتى لو كانَ الثمنُ هو مواجهةُ الأرواحِ الشريرةِ وجحيمِ الكوابيسِ المتكررة.