سيرة ذئب

ليست سيرة ذئب حكاية حيوانات للأطفال، بل مرآة صقيلة تعكس، بدهاء وحكمة، مآلات الإنسان حيثما حلَّ. هنا، في هذه الرحلة التي تبدأ من شرق الحكمة وتنتهي في غرب الفتنة، يصير الذئب رمزاً للحرية المطلقة التي ترفض الطوق، والكلب تجسيداً للطاعة التي تشتري الأمن بثمن العبودية. بيد أن المغامرة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ يجد الذئب السائح نفسه، بزوجته السرحانة، غارقاً في متاهة غربية تساوي بين الحمار والأسد، وتقدس المال والقانون الوضعي على حساب الفطرة والقيم، وتقلب الموازين حتى يصير العجل الذهبي حاكماً والثعلب مستشاراً. يرصد الكاتب ببراعة سقوط المبادئ تحت وطأة الاستهلاك والترفيه، ويحفر في وجدان القارئ سؤالاً مصيرياً: أين الحكمة حين يستبد الذهب بالضمير، وتصبح الغابة مجرد سوق لا ترحم سيرة ذئب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg8HqJNBfTr-bpCj4NLF2bZIviCMaArXF4Ku7SahM5FoZWWovE5GWBpTrvsxfH6myjainq6kTahnfGHqhxotKDyVh784y1ZnbMMG7zTeETBvMWnxG6cbU_bE4MoHIR3pVtiANy611Z7l_dA5JSJbNKkeCFI0h1A0K3-djQ94QG5qSfzs563RMIIAEbdMsI/s320/728.jpg

ليست سيرة ذئب حكاية حيوانات للأطفال، بل مرآة صقيلة تعكس، بدهاء وحكمة، مآلات الإنسان حيثما حلَّ. هنا، في هذه الرحلة التي تبدأ من شرق الحكمة وتنتهي في غرب الفتنة، يصير الذئب رمزاً للحرية المطلقة التي ترفض الطوق، والكلب تجسيداً للطاعة التي تشتري الأمن بثمن العبودية. بيد أن المغامرة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ يجد الذئب السائح نفسه، بزوجته السرحانة، غارقاً في متاهة غربية تساوي بين الحمار والأسد، وتقدس المال والقانون الوضعي على حساب الفطرة والقيم، وتقلب الموازين حتى يصير العجل الذهبي حاكماً والثعلب مستشاراً. يرصد الكاتب ببراعة سقوط المبادئ تحت وطأة الاستهلاك والترفيه، ويحفر في وجدان القارئ سؤالاً مصيرياً: أين الحكمة حين يستبد الذهب بالضمير، وتصبح الغابة مجرد سوق لا ترحم

سيرة ذئب رواية 728 132 مارس 2023 yes 201091985809 ادريس مكراز كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjWbf1qemHDcAqe5hri3pu7qekXK2LNbqREwIJEGdvYbTTWriLzhNf9PdBM8cI9xQF0yk0xPFCsx_UonHfUWHNKwHZiJtLZpVwCUEjZr6BfBIW1fiKiHk7SaVb18gL3pOpADGsu55nX26_mUE5PMHCUjlhr01Q9CxFLlbhID3whputIlcGWsg49JcasCf4/s295/%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B2.jpg

تبدأ سيرة الذئب بمشهد تأسيسي يختزل فلسفة العمل برمتها، حيث يصادف الذئب الهزيل كلباً سميناً فيسأله عن سر نعيمته، فيجيبه الكلب بأن الثمن هو الطوق والطاعة. تلك اللحظة ليست مجرد حوار بين حيوانين، بل نواة الصراع المحوري الذي يطوف في فصول الرواية كلها: الحرية مقابل الأمن، والكرامة مقابل الشبع، والفطرة السليمة مقابل الترف المذلول. فلا يلبث الذئب أن يرفض العرض، مفضلاً الجوع في العراء على الامتلاء تحت ربقة الآخر، ومن ثم تنطلق رحلته بحثاً عن مغرب الشمس، بحثاً لا عن مكان بقدر ما هو بحث عن معنى.

غير أن المسار يتحول بسرعة حين يلتقي الذئب بقبيلة الشاهد في الغابة، حيث التاريخ مقدس والأنساب خط أحمر. هنا، يجد الذئب ضالته في مجتمع الذئاب الذي لا يزال متمسكاً بالقيم، وملكه هو الأسد، ولكنه سرعان ما يكتشف أن الاستقرار نفسه يحمل شرطاً: الزواج والإقامة. ومن هنا، يحيك الكاتب شبكة معقدة من العلاقات بين الماضي والحاضر، بين سيرة يعقوب ونبوة محمد، وبين القبيلة ككيان عضوي ومشروع الفرد في الانطلاق. لكن الزواج من السرحانة، ابنة زعيم القبيلة، لا يمنع العزم على مواصلة السفر، بل يصبح بوابة لرحلة أعمق وأخطر، حيث الغرب المجهول لا يحمل وعداً بقدر ما يحمل امتحاناً.

تزداد دهشة القارئ حين يبلغ الزوجان البحر العظيم ويريان الشمس تغرب في الماء، في مشهد يظنانه غاية الرحلة، لكن القدر يضعهما أمام مفاجأة كبرى: عالم آخر وراء البحر، عالم غابة الغرب حيث القوانين مختلفة كل الاختلاف. هنا، تحل المساواة المطلقة مكان المقامات، وتصبح الكلاب حراساً والأسد ملكاً صورياً، والحمار الوحشي رئيساً، والفيل وزيراً، والثور البري صاحب الثروة. هذا التحول يخلق صدمة معرفية عميقة لدى الذئبين، اللذين يعيشان تناقضاً بين ما ورثاه من نظام أبوي قائم على القيمة، وبين ما يشهدانه من نظام رأسمالي قائم على المصلحة. فثمة انقلاب في منطق الحياة، إذ يتحول الصيد إلى متعة، والحكم إلى صفقة، والقيم إلى هوامش، كل ذلك تحت شعارات براقة عن الحقوق والحرية.

يعمق الكاتب الإحساس بالأزمة عبر شخصيات تعكس تشظي الحيوان المعاصر، فثمة الذئب الجنوبي الحالم بالهجرة أملاً في لقمة العيش، والثعلب الذي يتقن فنون المكر، والذئب "واف" المغني الذي يغرق في الخمر نسياناً لخسارته، والغرير الذي صار رمزاً يُطارد في موطنه، بل وحتى الأسد الغربي الذي انشغل بالقطط الجميلة عن عرشه. على هذا الأساس، تتحول الغابة الغربية إلى استعارة مكثفة للمجتمع الاستهلاكي الذي يتآكل من الداخل، حيث القانون يحمي المال لا العدل، وحيث الإعلام، ممثلاً في "الصندوق السحري"، يصير أداة توجيه لا كشف. ومن ثم، تتجه الأحداث إلى حتمية الصراع، ليس بين الخير والشر فقط، بل بين فطرتين: فطرة الانتماء القائم على التضامن واحترام الترتيب، وفطرة الفردانية القائمة على الشهوة والتنافس الأعمى.

يكتب إدريس مكراز نثراً يجمع بين حكمة السير الذاتية القديمة وتناسل الصور البلاغية، مانحاً كل حيوان صوتاً ودوراً درامياً لا يخلو من طرافة، وإن كانت الطرافة تخفي مرارة في الغالب. من ثم، تتصاعد الأحداث لتشمل مؤامرات واغتيالات، وتتحول المعركة بين الأسد والحمار الوحشي إلى حرب شعواء لا تخلو من دروس تاريخية صارخة، خصوصاً حين يغتال العجل الذهبي أباه الثور ويتوج نفسه، مما يؤكد أن نقاء النوايا ليس كافياً في مواجهة الدهاء الممنهج. بيد أن الكتاب لا ينتهي بانتصار النموذج الشرقي أو هزيمة النموذج الغربي، بل برؤية أكثر تشابكاً: فالفتنة قادمة لا محالة، تحملها الرياح من الغرب، وما على الذئاب الثلاثة، المحنكة برحلتها، سوى التمسك بالفطرة الأولى، والحذر من سحر الذهب.