بين أجنحة الكاردينال

تتكسر الروح أحايين، كالمرآة التي سقطت من يد طفل، تنثر شظاياها على الأرض، لا يعيدها شيء كما كانت. هكذا كانت أيامه، تتناثر بين يديها، شروخٌ في الجسد، وفراغٌ يتسع في الروح، يلتهمها بصمت. كانت تظن أن الكره هو ما يطهر القلب من بقايا غريبٍ استوطن فيه، لكنها اكتشفت أن الكره بذاته جرحٌ غائر، يدمي الروح ولا يندمل. أما هو، فقد حملته بين جنباتها كضيفٍ اضطرّ لاحتضانه، حتى تنفّس قلبه من أنفاسه، ليجد نفسه في النهاية قد تخلّص منه، ركّل جوانبها، وانسلخ بغباء، تاركاً خلفه ألماً أعمق من أي كره. تذكر لحظة أحبته، لم تكن في صخب الحياة، بل في لحظة أبٍ يشد أذن طفلٍ يعبث بنظارته، انشغل الطفل بقرطه، فكسر تلك النظارة. تماماً كسرت قلبها، وحسبت أنك عقوبة. بين أجنحة الكاردينال
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgP_3EzHNJz7VfOdy6OJ7ITcrv0E7qdOBA3wvusUTGhUvOx7hXTLeT92eq-yzxkiA3JFBWjmqEzHlNiPxY6am27Rj0yLAPevJqDe0aVS1ISeQohpEaOLcZPC1fkrzEvomcaUztATgLPIzKpuxhP35_Np0Se1uzMBYhGagjAMCLhmvA49dQkFSdmTTkGWLE/s320/322.jpg

تتكسر الروح أحايين، كالمرآة التي سقطت من يد طفل، تنثر شظاياها على الأرض، لا يعيدها شيء كما كانت. هكذا كانت أيامه، تتناثر بين يديها، شروخٌ في الجسد، وفراغٌ يتسع في الروح، يلتهمها بصمت. كانت تظن أن الكره هو ما يطهر القلب من بقايا غريبٍ استوطن فيه، لكنها اكتشفت أن الكره بذاته جرحٌ غائر، يدمي الروح ولا يندمل. أما هو، فقد حملته بين جنباتها كضيفٍ اضطرّ لاحتضانه، حتى تنفّس قلبه من أنفاسه، ليجد نفسه في النهاية قد تخلّص منه، ركّل جوانبها، وانسلخ بغباء، تاركاً خلفه ألماً أعمق من أي كره. تذكر لحظة أحبته، لم تكن في صخب الحياة، بل في لحظة أبٍ يشد أذن طفلٍ يعبث بنظارته، انشغل الطفل بقرطه، فكسر تلك النظارة. تماماً كسرت قلبها، وحسبت أنك عقوبة.

بين أجنحة الكاردينال رواية 322 104 نوفمبر 2019 yes 201091985809 ولاء عبد المنعم كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhFr_gyvUXfnkr7J7zYb1jf0mFaJfzDYA-aPsQFbieoFZ41nejUwo8ck8nnqGEvCyjzOEY-EPRtRs9IMFyU1XAsJLBG0g1pDo979BkB7Z6y49VjgVpRSDVtg544R_Is8NlLNfRN8JnGO21-rY8VQUSIkoM_AC7bBUjw4kTgPpsWulijV7Qv2ZDK_peBYCw/s295/%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B9%D9%85.jpg

تستعير ولاء هريدي من طائر الكاردينال خفقة أجنحته لترسم ملامح الخيبة والنهوض في روايتها "بين أجنحة الكاردينال"، وكأنها تعيد صياغة مقولة جلال الدين الرومي بأن النور يتسلل من خلال الجروح. تبدأ الحكاية من نقطة التقهقر العاطفي، حيث الكره ليس غاية بل هو شق جنوني يدمي القلب، وحيث الغرباء لا يسكنون الأرواح بل يمرون بها كزوار ثقال يتركون خلفهم تشوهات في ملامح الذاكرة. اللغة هنا ليست مجرد وعاء للمحكي، بل هي مشرط يغوص في مفهوم الكرامة الرجولية المهدورة، حين يلفظ القلب من عليائه من لم يعد يستحق حتى مشاعر البغض. تصبح المسافات المترامية بين الأسماء في قوائم الانتظار أو الحياة هي الملاذ الأخير للنجاة من تسمم العشق الذي ينقلب إلى سقوط مدوٍ، فالبطلة ترفض تجاور الحروف حين تتنافر الأرواح، وتعلن امتلاءها بذاتها كفعل مقاومة أخير ضد الفراغ الذي خلفه الراحلون.

تتحول الصفحات إلى مرآة تعكس منفى العمر، حيث الوجيعة تحوم حول القلوب المنهكة كطير كاسر، وتتجلى رائحة الموت والمرض كعاصفة تعصف بالمخيلة لتسأل عما إذا كانت الحياة السابقة مجرد هزو طويل. يبرز الندم كحريق يلتهم أجزاء الروح، في صورة بصرية تقشعر لها الأبدان حين تصف الكاتبة الحنجرة وهي تأكل القرط، في إشارة إلى اختناق الكلمات وضيق منافذ التعبير عن الألم. هذا العجز المسجى على أمنيات رفيعة يشي بنهاية محتومة، حيث يندس السم في طراز الوجود بفعل خيانة أو خيبة، ويقف "الزائر الغريب" صادحاً بأن البقاء لم يعد واجباً. إنها لحظة التصدع والفكاك، حيث لا تجد النفس استجماعاً إلا للرحيل، وتصبح الحياة مجرد شروخ وعضات ممزقة لم تنل من الكائن سوى قشرته الخارجية، بينما يظل الجوهر يتلوى تحت وطأة النوازع المنثورة للبقاء.

تنتقل الرواية ببراعة موسيقية إلى لحظة الاعتراف القاسية، فالحب يولد في لحظة العقاب، تماماً كما انشغلت الطفلة بقرطها خشية الألم بينما كان والدها يشد أذنها. هذا الارتباط الشرطي بين الحب والألم يجعل من المحبوب عقوبة مختارة، ومن العبث نظارة مكسورة لا ترى الواقع إلا من خلال شظاياها. ومع ذلك، يظل هناك إصرار على عدم الانطفاء، فالروح التي تحمل نورا داخليا تأبى أن تتحول إلى رماد يحترق به عمر الآخرين. تتشكل الرؤية الفلسفية للكاتبة في أننا ننقص في صمت، نتخفف من أثقالنا روييداً روييداً، ونبتع الدنيا في لحظات الحزن التي تعيد تشكيلنا. العمر في هذا النص لا يقاس بالسنوات، بل بعدد البسمات والقدرة على الامتلاء بالذات قبل أن تداهمنا العتمة، فالشجاعة الحقيقية تكمن في ألا تفرغ الروح من محتواها الإنساني مهما بلغت قسوة السقوط.

تنسج ولاء هريدي من ثنايا الروح شذرات صوفية، تؤكد فيها أن الرؤية الكاملة هي التي توردنا موارد الخسران، وأننا بحاجة أحياناً لعصب بصائرنا لنحتفظ بمن نحب. في غرف الإضاءة الهادئة ومع نغم المطر، يتجلى الإيمان بلقاء آتٍ يعوض مرارة الأيام، لقاء يعبر الحواجز ويحيي النبض بعد موات. إنها دعوة للحب الصادق غير المغلوب، الذي ينفخ الروح في الهش والتالف الملقى على هامش الحياة. تنتهي الرحلة بين أجنحة الكاردينال بيقين أن النجاة تبدأ من الداخل، وأن القلب الذي تقافز فوق عسر الأرض هو الوحيد القادر على الطيران مجدداً. لا وعظ هنا، بل صور حية لامرأة قررت أن تحتفي بكسورها كأوسمة، وتكتب تاريخها الشخصي بمداد من النور الذي لا ينطفئ، مؤكدة أن الوجود الحقيقي هو أن تكتظ بنفسك حتى لا تترك مكاناً لغريب يرحل ويشوه ملامحك.