الاعتقاد في الأفكار المجردة

تحت وطأة الحروب والصراعات، لم يجد الإغريق والرومان متنفساً أبلغ من أن يمنحوا المشاعر والتطلعات صورة بشرية تنبض بالحياة. هذا الكتاب لا يسرد تاريخ النقود القديمة فحسب، بل يتقصى لحظة سحرية تحول فيها الخوف أملاً، والظلم عدلاً، والنصر إلهاً يقف على كفّ إمبراطور. عمل أكاديمي شاق، ينبش في بطون المتاحف ليخرج كنوزاً صامتة تتحدث عن آلهة وهمية صنعتها أيدٍ فنية، وآخرون عبّادها بنقوشهم ومراسيمهم. بين هوميروس وإسطبلات روما، يلتقي الأدب بالفلسفة والفن، لتقديم رؤية لا تسبق عصرها فحسب، بل تعيد تشكيل نظرتنا لأصول المعتقد الجمعي. تأريخٌ نقدي، وموسوعة حية، نافذتك الأولى لفهم كيف استلهم البشر أرواحهم من نقوش ضاربة في عمق التاريخ. الاعتقاد في الأفكار المجردة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjz9tLSkAidZMMBIr6Ukt9mSh33DIpegQk9Z5EAs3HwUAKOGD1twdeRtXFJ1uqN5ijgMRvMbwUd82pu2JtArnmq2Oa5YUfUATMlbt8VGP2_ul6l5yn2mOKnKvQXKNtT_ETDY3uZtgC4EBeMVITwfHajUxEdeCD_uLH-caa7U0R9tUzDVabeF3JDEN-UN2k/s320/575.jpg

تحت وطأة الحروب والصراعات، لم يجد الإغريق والرومان متنفساً أبلغ من أن يمنحوا المشاعر والتطلعات صورة بشرية تنبض بالحياة. هذا الكتاب لا يسرد تاريخ النقود القديمة فحسب، بل يتقصى لحظة سحرية تحول فيها الخوف أملاً، والظلم عدلاً، والنصر إلهاً يقف على كفّ إمبراطور. عمل أكاديمي شاق، ينبش في بطون المتاحف ليخرج كنوزاً صامتة تتحدث عن آلهة وهمية صنعتها أيدٍ فنية، وآخرون عبّادها بنقوشهم ومراسيمهم. بين هوميروس وإسطبلات روما، يلتقي الأدب بالفلسفة والفن، لتقديم رؤية لا تسبق عصرها فحسب، بل تعيد تشكيل نظرتنا لأصول المعتقد الجمعي. تأريخٌ نقدي، وموسوعة حية، نافذتك الأولى لفهم كيف استلهم البشر أرواحهم من نقوش ضاربة في عمق التاريخ.

الاعتقاد في الأفكار المجردة تاريخ 575 494 يونيو 2021 yes 201091985809 د. مروة فاروق بدوي كاتبة مصرية

تلك الأيدي التي شغلت رقصة الحياة على جدران المعابد وظهور القطع البرونزية لم تكن مجرد حركات عابرة. إنها صوت الإنسان القديم الذي لم يجد ما يعبر به عن هواجسه العميقة سوى أن يخلق آلهة من المفاهيم. بين دفتي هذا الكتاب المتقن، تتكشف ظاهرة نادرة عرفها الإغريق ثم تبناها الرومان، وهي تجسيد الأفكار المجردة في صورة كائنات حية، فتحولت العدالة، والنصر، والخوف، والحرية إلى كيانات تحمل ملامح بشرية وتأخذ مكانها في سجل الآلهة.

يرصد البحث منذ بدايته البصمة الأولى لهذه الظاهرة في ملحمة هوميروس التي وظفت الخوف والجدال والخزي أدوات للصراع، دون أن تمنحهم صفة الإله. ومن ثم ينتقل إلى هيسيودوس الذي قطع شوطاً أبعد فمنح هذه الكيانات أنساباً وأمهات وآباء، فانحدرت من الظلام والليل لتشكل سلالة إلهية موازية. وهكذا تكونت النواة الدينية التي ستغذي عقول الفلاسفة وريش الفنانين، إذ تحولت القصيدة الشعرية إلى خزان لشخصيات مجردة قابلة للعيش على سطح المزهرية أو في هيئة منحوتة.

غير أن الفنان الإغريقي تأخر بعض الشيء عن الأديب في اقتناص هذه الظاهرة ونقلها إلى المشهد البصري. لكنه، حين انتبه، فعل ذلك بدهشة التلميذ الذي يجد أمامه عالماً جديداً. من وعاء دينوس في حفل زفاف بيليوس إلى صندوق كيبسيلوس الخشبي، وصولاً إلى لوحات تحكيم باريس، صار المشهد الفني ممتلئاً بوجوه ليست من لحم ودم. وقد بلغت الظاهرة ذروتها في العصر الكلاسيكي حين صارت تلك الكيانات أدوات سياسية بيد الطبقة الحاكمة، فبرزت نيكي إلهة النصر، وإيريني إلهة السلام، وديمقراطيا إلهة الحكم الشعبي، متجاوبة مع نبض الحرب البيلوبونيسية وصراع المدن اليونانية.

في الجهة الأخرى، لم يقف الرومان موقف المتفرج. ورثوا هذه الفكرة كما ورثوا بضائع الإغريق الأخرى، لكنهم لم يكتفوا بالمحاكاة، بل أوغلوا في التطوير، مستفيدين من طبيعتهم العملية التي تميل إلى تنظيم المعتقدات داخل إطار مدني واضح. أقاموا المعابد للشجاعة، والثقة، والأمل، وأسبغوا على كل فكرة قداسة تستوجب نذوراً وقرابين. وفي قلب هذا التحول، لعب النقش النقدي دوراً لا يستهان به، إذ حملت الدنانير والدراهم صورة تلك الكيانات، لتتنقل بين أيدي المواطنين كرسالة سياسية يومية تذكّرهم بفضائل الإمبراطور وأمجاده.

لم تقف رحلة هذه الظاهرة عند هذا الحد. فقد التفت إليها المؤرخون والفلاسفة، فأخذوا يبحثون في جذورها وغاياتها، مسلّمين بأنها ظاهرة نفسية وجمالية قبل أن تكون دينية. وتتبعت الدراسة كيف انتقلت تلك التشخيصات إلى مصر الرومانية عبر النقود السكندرية، حيث تألقت بأسمائها الإغريقية لكن بملامح رومانية، ما يكشف عن حوار فني معقّد بين مراكز الإمبراطورية وأطرافها. وقد نجح الكاتب في استخراج عشرات القطع غير المنشورة من متاحف القاهرة، ليكون هذا الجهد الفريد نافذةً على تاريخ مرئي كان ضائعاً بين رفوف المخازن.