خلف القلوب الصامتة

ينبعث من أنغام الناي حزنٌ عميق، ينسج خيوطه حول القلب كما يعانق الساب أحلام العازفة. ترقص النجوم في خيالها وحده، بينما ترتسم على وجهها ابتسامة تخفي وراءها دمعاتٍ غزيرة. تضيع في متاهة حزنها، وتجرفها الأمواج العاتية لتغرق في بحرٍ لا قرار له. كلمةٌ قاسية تمسحها لمسة حانية، لكن البعد يترك ندوبه، والهجر يضاعف الوجع. يصبح القلب أسيرًا لذكرى عازفة، وإن غابت انقطعت أوتاره حزنًا. نخشى القرب مخافة البعد، ونعتنق صحراء العزلة هربًا من جنة الأحباب، مدركين أن الثقة درعٌ واهٍ. الغد قد يحملنا إلى غياهب العدم، واليوم هو الوقت الوحيد المتاح لنضع لأنفسنا قدرًا، ولنسمو فوق تقلبات الأيام. خلف القلوب الصامتة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiFSdKtvrbsyKBcy67SAz2qTYiG5aHN9eITuLBiL1hviVy6uvsnGBflsjRv95mT12o30vKHH151f5Nfzf58jSQFY7mE19AkSoxy_juRnllzknVf71VEvxkkRgGOuwMRjQ4yf2oa0MIknOCekL7TtZlwFtUTQFbHKVGqaoEwtWVa-Ws90FV1o_IEgG8fQUI/s320/331.jpg

ينبعث من أنغام الناي حزنٌ عميق، ينسج خيوطه حول القلب كما يعانق الساب أحلام العازفة. ترقص النجوم في خيالها وحده، بينما ترتسم على وجهها ابتسامة تخفي وراءها دمعاتٍ غزيرة. تضيع في متاهة حزنها، وتجرفها الأمواج العاتية لتغرق في بحرٍ لا قرار له. كلمةٌ قاسية تمسحها لمسة حانية، لكن البعد يترك ندوبه، والهجر يضاعف الوجع. يصبح القلب أسيرًا لذكرى عازفة، وإن غابت انقطعت أوتاره حزنًا. نخشى القرب مخافة البعد، ونعتنق صحراء العزلة هربًا من جنة الأحباب، مدركين أن الثقة درعٌ واهٍ. الغد قد يحملنا إلى غياهب العدم، واليوم هو الوقت الوحيد المتاح لنضع لأنفسنا قدرًا، ولنسمو فوق تقلبات الأيام.

خلف القلوب الصامتة خواطر 331 96 نوفمبر 2019 yes 201091985809 رانيا الحسيني كاتبة مصرية

القلوب تهمس حين تعجز عن البوح. رانيا الحسيني، بخطى واثقة على دروب الشجن، نسجت لنا خواطر تتراقص على أهداب الروح. ليست مجرد كلمات، بل هي أنغام حزن، أنغام تخرج من أعماق عازفة الناي، التي ترقص النجوم في خيالها وتبتسم خوفاً من إظهار دمعاتها. حزن يكتنف القلب، وعين دامعة، وصوت يجهشه البكاء. تمضي حائرة، تائهة في بحر الحزن، تجرفها كلمة جافية، وتمسح دموعها طبطبة حانية. يشكل البعد شبحاً يرتدي الأمل، والهجر يزيده وجعاً. القلب يألف، وإذا ما ترك، تقطعت الأوتار حزناً.

تتحدث الكاتبة عن الخوف من القرب، خوفاً من البعد الذي يأتيه لاحقاً. فتعتنق الصحراء محراباً، وتزهد في جنة الأحباب، وكأنهم ألقوا عليها درساً: لا تثق بأحد. يومك هنا، وغداً في تعداد الموتى. الأهم أن تبقى أنت، عالياً، نراق إذا ارتفعنا، ونغدر إن غدرنا. تعتذر للناي، فالحياة لم تعد كما كانت، ولا دام لها حال.

ثم يأتي صوت السائل، يسأل عن حالها. هل يحكي عن قلبٍ أدمته، أم عن عقلٍ أدمن التفكير به؟ هل يحكي عن سهرٍ يفتك بالمضجع، أم عن شفاهٍ ترتجف اشتياقاً؟ ثم تتبدى صورة العناق، لحماية من دمعها. تعال، ضمها بين طيات قلبك، حبٌ لا ينتهي، قلبٌ يداوي العليل. احتضانٌ حتى يذوب الكيان، وراحةٌ لا تكون إلا في سكنك. ثم تستيقظ من حلمٍ كاد أن يودي بحياتها.

تستمر الخواطر في رحلة البحث عن السكن في الروح. يا من سكنت الروح، وطاب لي أسرك. يا نبض القلب، ويا زائراً للحلم، اكتفى بطيفك. دعني أنام مدللة بين يديك، أغمض عين الهوان، وأفتح في الهنا عيناً. هنا، تراقص النجوم فرحاً، تسبح في عمق قلبك، وتتغيب بسمات الحزن. تغيب الضحكات، معلنة عن حبٍ أبدي. تعد بألا تغيب، مقابل أن تدوم دهراً. وإن عجزت، فلتتركها، ولا تصاحبها ملياً. طيفك حياة، ونبضه لا ينبض لغيري. يكفي أن تمنحها نبضك، وتحمل أمانته. تغمض عينيها لتبصر بعينك، وتعيش على دق قلبك. لا وجود لها إلا بوجودك؛ تغيب الحياة مع غيابك، وتصبح بعدك مقبرة.

"سأذهب"، جملة تحمل ثقل الرحيل. سأذهب بعيداً عني، راحلتا أنا نفسي، تاركة قلبي يهذي. سفرٌ لا راحة فيه ولا وصول. تعبت الروح شروداً، واكتفت العيون دموعاً. ألم يحن وقت السكون؟ عطشى للارتواء من بئرك، والخضوع لأمرك. تعبت من نفسها. كيف تعيش؟ بأي عالم تحلم؟ عن أي مشاعر تنتمي؟ وهل سبقها أحدٌ بقوانينها؟ أتت بلا مالك، لتسأل عن السابقين. إن أحببت العيش راغدة، فلتكن صماء عن الحنين، زاهدة عن الوفاء، باحثة عن الصادقين. اعترافٌ بأنه لا مشاعر بقيت، ولا ذكرى في كتاب العاملين. حينها، فقط، هنيئاً لها عالم الأصنام.

هناك راحة غائبة، ودقة ناقصة. ثم تتلاشى وجع السنين ودموع الألم. تنام العين دون فزع، وتودع الخوف بلا رجع. ترى كل قبيحٍ جميلاً، وكل فظٍ حليماً. أنتم. نعم أنتم. لا نريد أن ينتهي الكلام حين نتحدث إليكم، بل نريد ابتكار كلمات لم تُنطق من قبل. قليلكم يكفي، وقربكم يغني. سؤالكم يخلق حالاً غير الحال. أنتم، رزق رب العالمين، كن دوماً هنا، بجوارنا، بقلوبنا، بأعيننا. بقاؤكم وحده يحيينا.

"يمكن". هذه الكلمة تهدئ روع قلقنا، وتوقف تفكيراً يفتك بالبال. هي مصباح ينير ظلمة النفوس، بعد هجرٍ طويل. "يمكن"، نعد بها، في مواجهة الظلمة. "يمكن"، نقولها مئة مرة في اليوم، لتبرد براكين الغضب. ألف علامة استفهام تتبعها، تفسيرٌ لمن لا يتفوه. هي صحراء يندر فيها الزرع، ويقل الملء. إن أصبت ارتويت، وإن أخطأت مت. "يمكن"، نحدث بها أنفسنا سراً، حتى لا يعلو صوت وجعنا. نمسح بها دموعنا، ونطبطب بها على صدورنا. "يمكن"، ستظل تتكرر حتى تمحونا، وتبقى "يمكن" دون دليل قاطع.

"أيها القلب، كم أنت مسكين"، تذوب من نبرة حب، تدمع من حنين روح، تقسم ظهرك همسات الشوق. يتيمٌ أنت، تتحسس الحنان حساً، يفنيك حرف الاهتمام. موجعٌ كالجفا، يخط عليك ألف خط. تطير للسماء، وتظل حبيس الضلوع إذا جف الفرح. تتبع خطى الراحة، وتبحث عنها. تضم على نفسك، وتطبطب على كتفك إذا شح الأمن. تصنع من الصبار حلواً، مهما كان العلقم مراً، لأن لصبرك ليس له حد.