محاولات في القافية

تنهدتُ روحي وهي تتسلل عبر حروف عبد الإله خبطة، وكأنني أتبع ظفيرة طريقٍ إلى قلبٍ قديم. هنا، لا تُقاس الأشياء بالأرقام، بل بصدى الوعد الأبدي في القصائد. كل محاولة للوصول إلى القافية هي رحلة استكشاف في أغوار النفس، حيث تتداخل أحلام اليقظة مع كوابيس الواقع. كأنما الشاعر يسير حافياً على جمر المعاني، يتلمس دفء الحقيقة وبرودة الخيال. في هذا الكتاب، لا تجد كلماتٍ تزين سطوراً، بل أرواحاً تتدفق، تئن، وتتنفس. كأنها تلك الكلمات التي طالما حاولنا الإمساك بها، فتسللت من بين أصابعنا كرمال الصحراء، تاركةً في القلب جرحاً دافئاً وشوقاً لا ينتهي. إنها تلك المحاولات التي تشبه وقع قطرات المطر على نافذةٍ مظلمة، كل قطرة تحمل قصة، وكل قصة تحمل دمعة. محاولات في القافية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi3gcw0Ow3QCix7-M6nXBWKC2RQqCKHzcky1AjuwDOGZ6w2jE1NGZt98XkqriLaaXtxOuIaom-UuxlmovefcfXzdkQjwQDmiXqFzytMdASTPe2hkbh3blG0eStopkKu3lP8iP1bGLfPbke9HlvaEzs7m1GWonBep4S2Vm3FXIjFP3R7ZkFfZW58vaDPu10/s320/359.jpg

تنهدتُ روحي وهي تتسلل عبر حروف عبد الإله خبطة، وكأنني أتبع ظفيرة طريقٍ إلى قلبٍ قديم. هنا، لا تُقاس الأشياء بالأرقام، بل بصدى الوعد الأبدي في القصائد. كل محاولة للوصول إلى القافية هي رحلة استكشاف في أغوار النفس، حيث تتداخل أحلام اليقظة مع كوابيس الواقع. كأنما الشاعر يسير حافياً على جمر المعاني، يتلمس دفء الحقيقة وبرودة الخيال. في هذا الكتاب، لا تجد كلماتٍ تزين سطوراً، بل أرواحاً تتدفق، تئن، وتتنفس. كأنها تلك الكلمات التي طالما حاولنا الإمساك بها، فتسللت من بين أصابعنا كرمال الصحراء، تاركةً في القلب جرحاً دافئاً وشوقاً لا ينتهي. إنها تلك المحاولات التي تشبه وقع قطرات المطر على نافذةٍ مظلمة، كل قطرة تحمل قصة، وكل قصة تحمل دمعة.

محاولات في القافية شعر 359 56 ديسمبر 2019 yes 201091985809 عبد الإله خبطة كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgZ0tIc45t9hR4ZSdA0Bc5A9C4CRgnajwWJTQmz9hFfZaeFLO9tC8kdnDVeRXHg6ddBNjbXP13hkWvKwNc5QrbSX9yxvhDNF77Xb-zzkhivjo15oDVCf4HyomYNrRv4YMA3VfSEcfuT1HHdOfyRYbW2L6R_SiE5hw4g0PgZUdd94NeFYaMnhokLzS_vxGQ/s295/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%87-%D8%AE%D8%A8%D8%B7%D8%A9.jpg

عبد الإله خبطة في مجموعته "محاولات في القافية" لا يكتب الشعر بقدر ما يرمم انكسارات الروح بصلصال الكلمات، معيداً صياغة العالم في هيئة أبيات تمزج بين الوجدان الصافي والحكمة المستقاة من مرارة التجربة. يفتتح الشاعر غمار نصه بإهداء حميمي يضيق فيه اتساع العالم ليحصر السند في أولئك القلة الذين يعرفون أسماءهم جيداً، وكأنه يكتب بمداد الخصوصية لجمهور يشاركه النبض قبل الحرف. القصيدة عنده ليست ترفاً لغوياً، بل هي "ملاك الروح" الذي يطارد طيفاً أنار الدروب وأخلف الوعد، تاركاً الشاعر في حيرة تذكرنا بوقوف "أمل دنقل" أمام مرايا الروح المنكسرة، حيث يصبح الاعتراف بالضعف الإنساني ذروة القوة الفنية. تتجلى في نصوصه لوعة الفقد ووطأة الغياب، لكنه يرفض أن يظل حبيس البكائية المحضة، فيستحث القافية لتهبه شفاءً أو صك غفران عن "أكاذيب" القلب الصغيرة التي يفرزها الحب في لحظات اشتعاله وانطفائه.

تتحول القصائد في هذه المجموعة إلى مراقب دقيق لحركة الحياة وتقلباتها، خاصة حين ينتقل من ذاتية العشق إلى موضوعية الوجود في نص "كوابيس الحياة". هناك، يواجه الشاعر عبء الكينونة، ويرى الأيام تجره نحو "عالم الحتف" بينما يحاول هو تثبيت خطاه فوق رمال متحركة. اللغة هنا تتخفف من غلوائها الرومانسية لتلبس ثوب الوعظ الحكيم الذي لا يملي، بل يهمس في أذن القارئ بضرورة الحركة وصناعة المجد الشخصي بعيداً عن "زيف الأماني" وخرافة مصباح علاء الدين. إن خبطة يؤمن أن "تؤخذ المطالب" بالفعل لا بالتمني، وهي دعوة مبطنة لنبض الحياة المتجدد الذي يرفض السكون السلبي. يتسق هذا المنحى مع رؤية فلسفية ترى في التجربة الإنسانية تراكماً من "خطوط مائلة" تستقيم برهة ثم تعود للالتواء، مما يفرض على الكائن البشري يقظة دائمة وحراكاً لا يهدأ، وكأنه يرتدي "لباس العزم" ليواجه قاضي الدنيا العادل.

تنتقل الدفة السردية في الكتاب لتعالج مفارقات العصر الحديث بذكاء عاطفي لافت، كما يظهر في حواره مع "مدرب التنمية". في هذا الموضع، يسخر الشاعر بلطف من تلك الوعود البراقة بالخلاص السريع، واضعاً "السعادة" في كفة وهموم الفقر والواقع في كفة أخرى. هو لا يبيع الوهم، بل يفتش عن "هادي الحروف" التي تنطق بالصدق وسط ضجيج الشعارات، معتبراً أن الشوق الطويل يسري في الأبدان سمّاً لا ترياق له إلا بالتذوق المتأني لجمالية الألم. يبرز الكتاب أيضاً كتجربة في "النشر الحر" تعيد الاعتبار لاستقلالية المثقف، حيث يُمنح الكاتب كامل الحرية في التعبير عن معتقداته وأفكاره دون وصاية أو احتكار تجاري، مما يجعل النصوص تتنفس هواءً طلقاً بعيداً عن قيود المؤسسات التقليدية.

ينتهي القارئ من محاولات خبطة وفي ذهنه صورة الشاعر الذي يطرد "شياطين" اليأس بقوافٍ موزونة، محاولاً لملمة "الحروف المبعثرة" في صندوق الحياة المزدحم. النص يتدفق كنهر هادئ، يمر بمحطات المترو، وصخب الشوارع في القاهرة والدار البيضاء، ليثبت أن الشعر يسكن في التفاصيل اليومية البسيطة بقدر ما يسكن في الأسئلة الوجودية الكبرى. إنها رحلة تبدأ من "ملاك الروح" وتنتهي عند "إعدام القيود"، رحلة يقطعها الشاعر حافي القدمين على جمر الكلمات، ليؤكد أن القافية ليست مجرد تقييد للنص، بل هي الإطار الذي يحفظ للوجدان المشتت تماسكه أمام عواصف الزمن. هكذا تظل التجربة مفتوحة على احتمالات الضياء، حيث يظل "الأمل" هو الخيط الرفيع الذي يربط بين قصائد المجموعة، مبرهناً على أن الكتابة هي الفعل الوحيد القادر على تحويل "غربة الروح" إلى وطن يتسع للجميع.