جدال

في عالم تعصف به الوجوه المتعددة، والجدال الذي لا ينتهي، تطلّ مجموعة "جدال" القصصية بوجوهها الحادة والعابسة، والمتأملة أحياناً، كمرايا لجيل يعيش تناقضاته بكل جرأة. من طفلةٍ تلمس يد صديق أبيها لتصلح ما أفسدته الخلافات، إلى سمكتين محاصرتين في حوض يدركان مفهوم الحرية المتلاشي، إلى حلم يتحول إلى مواجهة مع ملك الموت، مروراً بخطيب يختنق في فوضى الحياة العصرية، تتنقل القصص بين الواقعي والرمزي، بين المأساوي والساخر، ناقشةً بعمق أسئلة الهوية والإيمان والحرية والعلاقات الإنسانية. هنا، في هذه الصفحات، يتحول الجدال من كونه فعلًا يومياً إلى مرآة تعكس أعمق تعقيدات الوجود العربي المعاصر. جدال
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhD3Ob9Y9vXxxIkjwQO-nJNW-W8RmklP3yVJJOOdHBF0QiwPrQUNNSI6BvjZsTVCXP7PCntCdjLCJfYOQ65EAb2BaE0-S22OnIDFqcghCL5mBrHN_X2rE-wpAkuIDaa1dXVmZ8LQWWqyGjcRABXyV5Q0u2uPUCpOWEuzy7kCNQPA1Nln15B4ooJyE7nhlc/s320/686.jpg

في عالم تعصف به الوجوه المتعددة، والجدال الذي لا ينتهي، تطلّ مجموعة "جدال" القصصية بوجوهها الحادة والعابسة، والمتأملة أحياناً، كمرايا لجيل يعيش تناقضاته بكل جرأة. من طفلةٍ تلمس يد صديق أبيها لتصلح ما أفسدته الخلافات، إلى سمكتين محاصرتين في حوض يدركان مفهوم الحرية المتلاشي، إلى حلم يتحول إلى مواجهة مع ملك الموت، مروراً بخطيب يختنق في فوضى الحياة العصرية، تتنقل القصص بين الواقعي والرمزي، بين المأساوي والساخر، ناقشةً بعمق أسئلة الهوية والإيمان والحرية والعلاقات الإنسانية. هنا، في هذه الصفحات، يتحول الجدال من كونه فعلًا يومياً إلى مرآة تعكس أعمق تعقيدات الوجود العربي المعاصر.

جدال مجموعة قصصية 686 70 يوليو 2022 yes 201091985809 أحمد دياب كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgY59ilrB-slww1COYVgpV6IdjcBgixFNbyENh1spLW3phcwZoHkqbiUxnCzSUV7WoLJwunD5rF2yPjxAxswqmCOK6iySLYijWwex7_FOPaoNdWkUYhmMfxIP2wZ5Bwf61Txo-pPcVZAR5GvmlXd8nyKgRyiYLrHE6Ahq6tz5B_402er5pjS9fUF1SqRT8/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%A8.jpg

تضم هذه المجموعة القصصية للكاتب أحمد دياب عدداً من النصوص المتنوعة، تتراوح بين القصة القصيرة جداً، والحكاية الممتدة، والنص الرمزي المسرحي. ورغم تنوع أطوالها وتقنياتها، تظل فكرة "الجدال" – بوصفها توتراً بين الذات والعالم، وبين المختلفين، وبين الحلم والواقع – هي الخيط الذي يربط بينها. القصص، التي تفتتح بـ"جمال" التي تحمل عنوان المجموعة نفسها، تبدأ بمشهد مؤثر: سارد يعود إلى قريته على دراجة نارية، وتستوقفه طفلة صديقه القديم التي تمد يدها لتلمسه، محاولةً عبر هذه اللمسة تجسير هاوية خلاف بين أبيها والراوي، وهي لا تعلم شيئاً عنه. هذا المشهد يضع نغمة المجموعة، حيث تكون البراءة والعفوية، غالباً، طوق النجاة الوحيد من تعقيدات الحياة اليومية.

تتنوع القصص في مضامينها بشكل لافت. "مصنع في غرفة نوم" تقدم زوجاً يعيش صراعاً مع زوجته المسيطرة، ويتحول نومه إلى كابوسٍ يجمعه بمديره وامرأته في مشهد سريالي يحيل إلى هواجس الذكورة والسلطة والاغتراب المنزلي. أما "الخطبة" فترصد إمام مسجد يحاول إلقاء خطبة عن ختان الإناث، في مواجهة جمهور بارد، ومستمعٍ يلح عليه بالسؤال بعد الصلاة، لتكشف عن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي. وفي مقابل ذلك، تقدم "السمكان" حكاية رمزية لسمكتين محاصرتين في حوض، تتأملان فقدان الحرية وتتحاوران عن ماهية الخلاص، في استعارة مكثفة عن القهر الإنساني في أبسط صوره.

تشتد حدة النقد الاجتماعي في قصص مثل "ويل والكلاب"، حيث يرصد الكاتب مشهداً احتجاجياً عنيفاً، يتخلله كلب شرس يطارد طفلاً يُدعى ويل، يرمز إلى العنف المؤسسي المُسلط على الأبرياء. القصة تختصر تاريخاً من القمع في لقطات سريعة ومؤلمة، وتجعل من الطفل شاهداً على موت والده، ومشاركاً في مواجهة رمزية ضد آلة القمع. وفي "الرسالة"، يعبر فتى صغير حدود قريته ليُوصل رسالة غرامية إلى أهل خطيبة صديقه، في رحلة تكشف عن قسوة العالم الخارجي، وعن هشاشة الأحلام في مواجهة بيروقراطية الحياة. أما "الجَلْية" فتروي اكتشاف رجل يحمل حقيبة سوداء ثقيلة، فينفتح خياله على آمال الثراء، ليفاجأ بأن محتواها ليس مالاً بل شيء آخر يقلب موازين قصته بأكملها.

لا تخلو المجموعة من نصوص تقترب من الأفق الفلسفي أو السيريالي، كـ"قلم وورقة" التي تجعل القلم والورقة شاهدين على محاولة كاتب لكتابة مسرحية عن الخلق والسقوط، ليكتشفا أن مصيرهما مرهون بإقناع الكاتب، فتتحول عملية الكتابة نفسها إلى موضوع للجدال. و"الصورة" التي تستدعي جدلاً عائلياً حول صورة قديمة، لتكشف عن علاقة الأب بابنه المعاق، وعن ذاكرة الألم التي تتشكل عبر الصور والتاريخ الشخصي. وفي القصة الأخيرة، "الإنسان الداجن"، يرصد الكاتب أثر فيديو متداول لضابط يعتدي على طالب، وكيف يتشابك الخبر الواحد مع مصائر عدة، محولاً الحدث العابر إلى سؤال أخلاقي حول العدالة والظهور الإعلامي.