سلة التفاح

تتراقص التفاحة على غصن الوهم، حمراء كقبلةٍ على خدٍّ خجول، أو ربما صفراء كفجرٍ يتسلل عبر نافذةٍ مغلقة. هي ليست مجرد فاكهة، بل بوصلةٌ تشير إلى دروبٍ لم تُطرَق، ومرآةٌ تعكس هشاشة الأحلام وجموحها. في هذه السلة، تتكدس حكاياتٌ تنسج من خيوط الواقع الممزوج بخيالٍ عتيق، كغجريةٍ تقرأ في كفٍّ لم يخطه القدر بعد. تتجرع بطلاتٌ مرارةَ الظروف، ويتلعثم أبطالٌ في إيجاد أصواتهم وسط ضجيج الحياة. هنا، يتماهى الجمال بالغرور، والطموح بالضياع، وتُصبح الشقة الباردة مسرحًا لقصصٍ عن الوحدة، وعن لقاءاتٍ تحمل في طياتها نبوءاتٍ مأساوية. كل حرفٍ هنا أشبه بنقطة عرقٍ على جبينٍ متألم، أو دمعةٍ انزلقت بصمتٍ على خدٍّ اعتاد احتواء الألم. سلة التفاح
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjuynaHIsuFUDPNsCM2pFRUlaegIkJ85bsKMq0DklN-gxJEMUP4N0JnGeyB3yXYH2JIwo3qONtApfP0bK_1thQYJjlSurT_x5REBh59QvTSUyJGZG_XWBt52DjdoEOTt_fBEPHyG5a7rTysJSANz_8Kvo6Sk192F_DN9A-5EWEdh-uB7byZUfWymE3Y2ZQ/s320/259.jpg

تتراقص التفاحة على غصن الوهم، حمراء كقبلةٍ على خدٍّ خجول، أو ربما صفراء كفجرٍ يتسلل عبر نافذةٍ مغلقة. هي ليست مجرد فاكهة، بل بوصلةٌ تشير إلى دروبٍ لم تُطرَق، ومرآةٌ تعكس هشاشة الأحلام وجموحها. في هذه السلة، تتكدس حكاياتٌ تنسج من خيوط الواقع الممزوج بخيالٍ عتيق، كغجريةٍ تقرأ في كفٍّ لم يخطه القدر بعد. تتجرع بطلاتٌ مرارةَ الظروف، ويتلعثم أبطالٌ في إيجاد أصواتهم وسط ضجيج الحياة. هنا، يتماهى الجمال بالغرور، والطموح بالضياع، وتُصبح الشقة الباردة مسرحًا لقصصٍ عن الوحدة، وعن لقاءاتٍ تحمل في طياتها نبوءاتٍ مأساوية. كل حرفٍ هنا أشبه بنقطة عرقٍ على جبينٍ متألم، أو دمعةٍ انزلقت بصمتٍ على خدٍّ اعتاد احتواء الألم.

سلة التفاح مجموعة قصصية 259 80 أغسطس 2019 yes 201091985809 د. هشام عباس كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiTg6_fs4oSOL_COjtID-uLL9mvatjkilMbHBz6ry2F57i7bObipyugBzrTd3t5B23OKesELQBgaPfRPA69QPshYoyypCZeGBXypD3TiyJO46ka6pGwOVV6ETxT9nGHdAMTvnLXMviVjJmWyL4ZxmYfE1eUlTYcujime2fx5uPQaeFMLmv5F7apl9VBiR0/s800/%D8%AF.-%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg

تطل "سلة التفاح" للقاص الدكتور هشام عباس كمرآة صقيلة تعكس انكسارات النفس البشرية حين تصطدم بصخرة الواقع الصلدة، متخذة من القصة القصيرة مبضعاً جراحياً يشرح تفاصيل الوجع الإنساني. تبدأ الحكاية بامرأة تسجنها ملامحها في زنزانة من الإعجاب المسموم، حيث يتحول الجمال من هبة إلهية إلى لعنة تطارد صاحبتها منذ الطفولة، فتنمو الغيرة في قلوب الأخوات وتُنسج الدسائس في ممرات المدارس. هذه البطلة التي لم تختر اسمها "جميلة" بقدر ما اختارها القدر لتكون أيقونة مستهدفة، تجد نفسها في صراع دائم مع نظرات الآخرين التي لا ترى فيها سوى القشرة، بينما يغلي داخلها طموح يلامس عنان السماء، مدفوعاً بثراء عائلي وثقة تتضخم حتى تبلغ حافة الهاوية. إنها صورة حية لما وصفه الفيلسوف "سارتر" حين اعتبر الآخرين هم الجحيم، خاصة حين يكون وجود المرء مرهوناً بصورته في عيونهم لا بحقيقته الكامنة خلف ملامحه.

تنتقل السردية ببراعة من زهو القوة والجمال إلى لحظات الانكسار الموحشة، حيث تجد بطلة القصة نفسها في شقة باردة ومظلمة، تفتقر إلى أدنى معايير الجمال التي اعتادتها. في تلك اللحظة الحرجة، يتجلى الاغتراب في أبشع صوره، حين يصبح الزوج "غريباً" رغم ملامحه المعروفة، وتتحول ليلة الزفاف المفترضة إلى كابوس يسكنه الذعر والرعب. يبرز هنا تساؤل مرير عن ثمن الطموح المبالغ فيه وكيف يمكن للمرء أن يفقد بوصلته في خضم السعي نحو "الأفضل" المادي، لينتهي به المطاف وحيداً في مواجهة مصير مجهول. الثقل الدرامي في النص يتصاعد مع ظهور حبوب منع الحمل كرمز لرفض الاستمرار في هذا المسار المنحرف، وخوف البطلة من جلب جنين إلى عالم لا يرحم، حيث يمتزج الندم بالرغبة العارمة في البكاء والعودة إلى كنف الوالدين لطلب الصفح، في مشهد يذكرنا بتراجيديات البحث عن الخلاص بعد فوات الأوان.

الكتاب في جوهره ليس مجرد سرد لقصة "جميلة"، بل هو استقصاء أدبي لمفهوم الزيف الاجتماعي والهشاشة الإنسانية خلف الأقنعة البراقة. الكاتب يستخدم لغة مشحونة بالتوتر، تجعل القارئ يشعر ببرودة الجدران وضيق الأنفاس في تلك الغرفة التي فقدت ألفة البيوت. إنها رحلة في دهاليز النفس التي تظن أنها ملكت كل شيء بفضل مظهرها ومكانتها، لتكتشف في لحظة الحقيقة أنها لا تملك حتى القدرة على الشعور بالأمان في حضرة من يُفترض أنه شريك العمر. هذه المجموعة القصصية الصادرة عن دار لوتس للنشر الحر ضمن مشروعها التنويري، تضع القارئ أمام مسؤولية أخلاقية تجاه اختياراته، وتذكره بأن الجمال الخارجي ما هو إلا غلاف هش قد يتمزق عند أول عاصفة واقعية، تاركاً الروح عارية في مهب الندم والضياع.

يستحضر النص روح الروائي الروسي "دوستويفسكي" في تشريح النفس المعذبة بوعيها، حيث يصبح الوعي الزائد بالجمال والذات مرضاً يؤدي إلى العزلة والارتياب. الخوف الذي يسكن بطلة "سلة التفاح" ليس خوفاً من الآخر فحسب، بل هو خوف من "النفس" التي قادتها إلى هذا المأزق الوجودي. الصرخة التي تنتهي بها الفقرات السردية ليست مجرد صوت، بل هي إعلان عن انهيار منظومة كاملة من الأوهام التي بُنيت على مدار سنوات من التدليل والثقة العمياء بالمظاهر. هكذا ينسج هشام عباس نصه، محولاً التفاح من رمز للإغواء أو اللذة إلى سلة مليئة بالتساؤلات المرة عن المصير والمنفى الاختياري داخل جدران البيوت، ليترك القارئ في حالة من التأمل العميق حول ماهية السعادة الحقيقية والفرق الجوهري بين الامتلاك والوجود.