فيلم كرتون

من يملك حق السخرية؟ سؤال يبدو سهلاً، لكن إجاباته تتشعب كجذور شجرة تضرب عميقاً في تربة الواقع. الأدب، بلا شك، هو إحدى تلك الجذور، والفن، بعمقه ورهافته، هو الآخر. لكن السخرية، تلك النظرة المعوجة التي تكشف عيوب العالم بابتسامة، لمن تؤول؟ هل هي لمن يملك مفاتيح الحزن العميق، فيحوّله إلى ضحكة لاذعة؟ أم لمن يرى في المآسي مادة للبهجة السوداء؟ هنا، بين ثنايا هذا النص، تكمن محاولة للإمساك بهذه الأداة، لا ك سلاح، بل كعدسة. عدسة تمر عبرها الحياة، بتناقضاتها، بخيباتها، بآلامها، لتخرج لنا بلون جديد، لون الكوميديا الذي لا يعرف حدوداً، حتى تلك التي يرسمها الحب نفسه. اقرأ، ودع هذه العدسة تكشف لك ما لم تره من قبل، ربما تجد في عيوب الحياة ما يستدعي قهقهة، لا دمعة. فيلم كرتون
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgZZTjh-5qBtRHwZ6G-Eurxg_qpBgJz68IDMnnndyM4aS3bULrB6XKvK1Yy0iaeife2BHABcUx2VV4GKtt_C12_ATCG8yQ8YV7zloqxp0Z62WuYO-q4Za6lM1tkHln6KZCn2Abc_wgCGJmLffhAF3B_U5KqFJb4e7a4da_CQEIY0DyVL7XII_kkzlItg-I/s320/216.jpg

من يملك حق السخرية؟ سؤال يبدو سهلاً، لكن إجاباته تتشعب كجذور شجرة تضرب عميقاً في تربة الواقع. الأدب، بلا شك، هو إحدى تلك الجذور، والفن، بعمقه ورهافته، هو الآخر. لكن السخرية، تلك النظرة المعوجة التي تكشف عيوب العالم بابتسامة، لمن تؤول؟ هل هي لمن يملك مفاتيح الحزن العميق، فيحوّله إلى ضحكة لاذعة؟ أم لمن يرى في المآسي مادة للبهجة السوداء؟ هنا، بين ثنايا هذا النص، تكمن محاولة للإمساك بهذه الأداة، لا ك سلاح، بل كعدسة. عدسة تمر عبرها الحياة، بتناقضاتها، بخيباتها، بآلامها، لتخرج لنا بلون جديد، لون الكوميديا الذي لا يعرف حدوداً، حتى تلك التي يرسمها الحب نفسه. اقرأ، ودع هذه العدسة تكشف لك ما لم تره من قبل، ربما تجد في عيوب الحياة ما يستدعي قهقهة، لا دمعة.

فيلم كرتون ساخر 216 140 أبريل 2019 yes 201091985809 إيمان الطاهر كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiNc7lZJ2QgGclXOtAdY8DcjXAF8w6HGHwrfEwoGis77oR5yztW0sWScdOgjs7XYnxb3yzqdTrAvP7rmiQDw6gsou7VIwVh-YexX_HhWmjLbAEwPwW3198CRuDDHMmIVnni4X7VlSw7NRtZZd8S11mxPCDytdgBMC0IZEe16PRdMo7ww8wc61tZ8Rx-j4g/s800/%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%87%D8%B1.jpg

تخطُّ إيمان الطاهر في كتابها "فيلم كرتون" وثيقةً احتجاجية مغلَّفة بالضحك، فالكتابة هنا ليست مجرد ترف، بل هي محاولة لاسترداد الذات من براثن عالم يمشي "عكسيَّاً" كما تصفه في حواراتها الساخرة. تبدأ الكاتبة برسم ملامح فلسفتها في مواجهة الخيبات، حيث يتحول الأعداء والمثبطون إلى وقود قسري للنجاح، وكأنها تستحضر مقولة نيتشه بأن ما لا يقتلك يجعلك أقوى، لكن بلكنة واثقة لا تخلو من تهكم مرير. النص يعج بمفارقات حادة تضع القارئ أمام مرآة الواقع الذي تشوهت ملامحه، فتتحول المواقف البغيضة إلى أضحوكة، والكوميديا السوداء إلى أسطورة موازية نعيشها يومياً دون أن نحترفها بالضرورة. إنها دعوة للضحك بقلب صافٍ حتى على تلك الأمور التي تملك القدرة على كسر الروح، فالضحك هو الدرع الأخير في معركة البقاء الإنسانية.

تتسلل الكاتبة إلى محراب الحب، لكنها لا تدخله بزهور أو قصائد غزلية، بل بتقرير "طبي" ساخر يرصد أعراضه كأنه جائحة تصيب الحواس. تصف "وجع القلب التوماتيكي" والشرارات الكهرومغناطيسية التي تنطلق من الأيدي، محولةً الرومانسية التقليدية إلى مشهد كرتوني يختلط فيه عرق المحبين برائحة "الشرابات المخللة" في تصوير واقعي فادح يكسر هالة القداسة عن المشاعر الزائفة. الحب في نظر الطاهر هو رحلة من فقدان التوازن، حيث تزداد حاسة السمع للكلمات المحفوظة بالنص، بينما تُصاب المعدة بالتسمم من وعود كاذبة. هذا الأسلوب التشريحي للعلاقات الإنسانية يعري الزيف الاجتماعي ويقدم نقداً لاذعاً للطريقة التي نستهلك بها مشاعرنا ونهدر بها طاقاتنا خلف أوهام لا تورث إلا احتقان الزور وصداع الزهايمر المزمن.

ينتقل النص ببراعة من الذاتي إلى العام، حيث تتسع رقعة السخرية لتشمل الكوكب بأسره، في حوارات تشبه عبث صمويل بيكيت في "في انتظار غودو". تتبادل الشخصيات الرؤى حول عالم يشبه إستاداً كبيراً، حيث البشر هم الملعب والكرة تُضرب في رؤوسهم لتستقر في شباك القدر. تصف الكاتبة الواقع العربي والدولي كفيلم سينمائي طويل يخرجه مخرج فاشل لا يفوز دائماً، لكنه يصر على استكمال التصوير وسط مجارٍ طافحة وأزمات أخلاقية متلاحقة. هنا لا تكتفي إيمان الطاهر بالفرجة، بل تنادي بالهجرة من هذا الكوكب إلى كوكب آخر، أو على الأقل الاحتماء بجرعات من "الينسون" والضحك لمواجهة قاعدة الشعوب التي اعتادت الضرب على "نفوخها" منذ عقود.

الكتاب في جوهره هو "فيلم كرتون" ورقي، يمزج بين براءة الرسوم المتحركة وقسوة الواقع المعاش، حيث تضيع الحدود بين الحقيقة والخيال. اللغة عند الطاهر تمتاز بإيقاع سريع وجمل مقتضبة تشبه لقطات الكاميرا، وهي لا تتردد في استخدام المفردات الدارجة لتعميق الأثر الساخر والوصول إلى جوهر الألم الشعبي. إنها تكتب لمن يبحث عن خلاص في الكلمة، ولمن يدرك أن الصمت قد يكون مرضاً يفتك بالروح، لذا فإن البوح بسخرية هو العلاج الوحيد المتاح. يظل النص متدفقاً كشريط سينمائي لا يتوقف، يذكرنا بأن البطولة الحقيقية في هذا الزمن ليست في خوض المعارك الكبرى، بل في القدرة على الابتسام من القلب وسط ركام الانكسارات المتتالية، وفي إلقاء السلام "القدمي" على كل من حاول إطفاء شعلة الإصرار بداخلنا.