الحب كما يجب أن يكون

الغرفةُ اعتلتها سُحُبُ المساء، تُثقلُ الظلالَ على مرام، فلا يجدُ الليلُ سوى ذاكرتها المَكْلُومةِ يهمسُ لها. جدرانُ مكتبها شهدتْ سيلَ الأوجاعِ التي لا تجدُ سوى قلمها وسَطَراً يسكبُ فيها الألَم، كأن كل ليلةٍ تُعيدُ روايةَ وجعِها، تتجرعُ مرارةَ استيائها من خَلقِها، وتُصغي لِصُراخِ العيونِ التي ترصدُ عِوَجَ يدها الشمال. في كل خطوةٍ، في كل زاويةٍ، تُصوِّبُ نحوها نظراتٌ تحملُ تعابيرَ سُخريتها، حتى أساتذتها في المدرسةِ لم تنجُ من نبراتِهم المستهزئة، فهمسُهم يلتصقُ بكلماتِهم: "الأستاذةُ ذاتُ اليدِ المعوجة" بدلاً من "الأستاذةُ مرام". اسمٌ اختارهُ الجدُّ، لكنّ الأقدارَ ألقتْ عليها "مُرَّ" الحياةِ دونَ "مرام". الحب كما يجب أن يكون
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj35d6voYXtPia16GYcpTXFLkG3ILAQ7U_CZTX9frxWiTHE32GlpCQw92fvzUJhcNnjM742QEeXbWynzJWv2tqMSMpsq3Dk7xYFTMWz4ZA8mi5jBV7E8GH5xceKmWkvgX3vxPbWKZ5jaenI2pXkP3_5DvZyz5sKg_kY-tS4MvC8C-GRNJ3BYpN-QfH8WkA/s320/461.jpg

الغرفةُ اعتلتها سُحُبُ المساء، تُثقلُ الظلالَ على مرام، فلا يجدُ الليلُ سوى ذاكرتها المَكْلُومةِ يهمسُ لها. جدرانُ مكتبها شهدتْ سيلَ الأوجاعِ التي لا تجدُ سوى قلمها وسَطَراً يسكبُ فيها الألَم، كأن كل ليلةٍ تُعيدُ روايةَ وجعِها، تتجرعُ مرارةَ استيائها من خَلقِها، وتُصغي لِصُراخِ العيونِ التي ترصدُ عِوَجَ يدها الشمال. في كل خطوةٍ، في كل زاويةٍ، تُصوِّبُ نحوها نظراتٌ تحملُ تعابيرَ سُخريتها، حتى أساتذتها في المدرسةِ لم تنجُ من نبراتِهم المستهزئة، فهمسُهم يلتصقُ بكلماتِهم: "الأستاذةُ ذاتُ اليدِ المعوجة" بدلاً من "الأستاذةُ مرام". اسمٌ اختارهُ الجدُّ، لكنّ الأقدارَ ألقتْ عليها "مُرَّ" الحياةِ دونَ "مرام".

الحب كما يجب أن يكون رواية 461 148 أغسطس 2020 yes 201091985809 إيمان عبيد كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgOABX-2s51o3RZ8IqRkE10Z1CSJcWVCT93xnjqmAP53UmnfXhGUUQ-YnM3g1MUOPwVCr45en_YVsvK2wft6wOjIkZJrj7VJ6qXLEjM76udII2ZZvjyyfQnC9SXLb78Tc8pPQNc54nxbnBAGZJePftqe63tPKIOJPxjOTq7meVSlsJY5xoi7nWzDh_mn94/s295/%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%AF.jpg

تنبثق رواية "الحب كما يجب أن يكون" لإيمان عبيد من أعماق النفس الإنسانية، لا كتقرير أبيض وأسود، بل كلوحة تتشكل بألوان المشاعر المتناقضة. تبدأ بنا في ليل "مرام" الطويل، حيث تتكدس الذكريات كأشباح في مكتبها، وتهمس آلامها القديمة في أذنها. ليست مجرد أوجاع عابرة، بل ندوب عميقة خلفتها نظرات المجتمع القاسية، وإعاقة في يدها اليسرى أصبحت وصمة عار في عيونهم. اسم "مرام" الذي اختاره جدها، أصبح يحمل في طياته مرارة العيش، فكل خطوة تخطوها في دروب الحياة، تلاقيها بتنمّر واستخفاف. حتى اسمها، "مرام"، يبدو كقدر محتوم، نصيبها الوحيد هو مرارة التجاهل والسخرية.

لكن في قلب هذه العتمة، تتسلل خيوط من نور. تقرر "مرام" أن تعيش الحياة بحب الله ورضاه، وأن تحب نفسها دون أنانية، وأن تحب الكون من حولها. تعلق قلبها بربها، تحدثه أكثر مما تحدث نفسها، تسأله الصواب، وتجدد عهدها بأهلها ومن حولها. لم تعد تسعى للسعادة من أجل شخص آخر، بل أصبحت سعيدة بذاتها، تسعى خلف أحلامها لهدف ورسالة تمنحها شعوراً بالوجود. حتى زيارتها لطبيبتها تكشف عن تحول جذري، فتمنحها الطبيبة موعداً آخر لتطمئن على استقرار حالتها. في هذه الفترة، تواظب "مرام" على محاضراتها الجامعية، وهناك، في صمت، يراقبها دكتور شاب، وسيم، خلق، وملتزم. كانت تسمع همسات زميلاتها عنه، لكنها لم تشاركهم الحديث، فقد أغلقت أبواب قلبها أمام أي تعلق، خوفاً من جرح جديد. لم ترد أن تتعلق بأحد سوى ربها، فهي تعلم أنها لن تأخذ إلا رزقها، وأن هذا الرزق بإرادتها يمكن أن تجعله كما تريد.

تتجاوز الرواية حدود "مرام" لتكشف عن عوالم أخرى، حيث تتجلى معاني الحب في أشكاله المتعددة. نلتقي بـ "حياء"، التي تبدو كمنحة من الله، ورسالة إلهية تريها الحياة من جوانب أخرى. تقرر أن تخلد ذكرى هذا اليوم الذي فتح لها أبواب الحياة من جديد، وتكتب أحداثه في دفتر مذكراتها، لتستمد منه الطاقة والأمل كلما أظلمت الحياة. حروفها ترسم طوق نجاة، وتتحول إلى كلمات تخلد ذكرى كانت بمثابة طوق النجاة لها. هذا اليوم لم يكن عادياً، بل كان يوماً مميزاً، فتح لها أبواباً جديدة، ورؤية مختلفة للحياة.

في رحلة البحث عن الحب، نجد "وليد" الذي يرى في "حياء" الزوجة، الحبيبة، الأم، السند، والبيت. يعشق اسمها، ويرى فيها حياء الدنيا كله. يصف كيف أنه كان يراها من قبل، لكن فجأة، وجد نفسه مشدوداً إليها، يفكر فيها، ويرى فيها نصفه الآخر الذي أكملها. تعترف "حياء" بأن كل هذا كان بداخل "وليد"، وأنها ستسعى لإسعاده، وهو بدوره سيسعدها.

تتصاعد الرواية لتصل إلى ذروة تتجسد فيها معاني الزواج كشراكة حقيقية، حيث تكون الزوجة الأم، الابنة، الرفيقة، الحبيبة، وكل شيء. يعزم "وليد" على أن يكون كذلك، ويؤكد على أن هذا الرزق الذي يجمع بينهما، والذي بدأ برضا الله، سيقودهما إلى السعادة. "حمنة" تجد في صديقتها الجديدة منحة من الله، ورسالة ترشدها إلى الحياة بقلب جديد. تقرر أن تكتب أحداث هذا اليوم الذي فتح لها أبواب الحياة، وكان بمثابة ترتيب إلهي، رزق حقيقي، ورؤية جديدة للحياة.

تنسج الرواية خيوطاً متشابكة من الحب، الإيمان، وقوة الذات، مقدمةً رؤية متفائلة للحياة، حيث يمكن للإنسان أن يجد السعادة في داخله، وأن يبني علاقاته على أسس متينة من الرضا والحب المتبادل. إنها دعوة صريحة للحب كما يجب أن يكون، حب يبدأ من الذات، ويمتد ليشمل الآخرين، وينتهي بالرضا الإلهي.