هذا ما حدث بالفعل

هذا ما حدث بالفعل. كلماتٌ تتدحرج كحصىً في مجرى نهر، تحملُ قصصًا عن الحب والخيانة، عن الانتقام الذي يرتسم في صحراء موحشة، وعن امرأةٍ تبدو كقمرٍ في سماءٍ سوداء، ليتحوّل حزن رجلٍ إلى لونٍ أصفر باهت. تدور الحكايات حول صراعٍ داخليٍّ عميق، حيث تنبعثُ جروحٌ ماضية لتُشكّل شبكةً من الخيوطِ الثقيلة، وتُضطرّ النفسُ لانتزاعها بكلّ ما أوتيت من قوة، تاركةً وراءها أثرًا من الدمِ والذهول. ثمةَ أرواحٌ تائهةٌ في متاهاتِ القيودِ والعبودية، تُحاولُ فكّ أسرِ ذواتها، فتجدُ نفسَها ساجدةً أمامَ ميزانٍ راجحتهُ السيف، ومُثقلةً بإحصاءاتِ الظلمِ والخيانة. هذه صفحاتٌ تُبحرُ بنا في أعماقِ النفسِ البشرية، حيثُ تتشابكُ الأوهامُ بالواقع، وتُصبحُ الحقيقةُ مجردَ قناعٍ يُخفي وجهًا قردًا. هذا ما حدث بالفعل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjixFH_HSd6-5WwGSBNgozPWscQzBiNu7_ruV8EHthNXdMHWLj_Q-y-uHryWvk0UfyAQsnyOdTo_AWQViDoZ2pYQ2xO-JJq-fDtpYBWHHCM5KLPBgQfkw_2orR1z3b8eZaV9Au-RTL7cu42FLqhMqJj64xnNdOozLwLtX08g4OtpqFdk8GilfESzV_VSpg/s320/233.jpg

هذا ما حدث بالفعل. كلماتٌ تتدحرج كحصىً في مجرى نهر، تحملُ قصصًا عن الحب والخيانة، عن الانتقام الذي يرتسم في صحراء موحشة، وعن امرأةٍ تبدو كقمرٍ في سماءٍ سوداء، ليتحوّل حزن رجلٍ إلى لونٍ أصفر باهت. تدور الحكايات حول صراعٍ داخليٍّ عميق، حيث تنبعثُ جروحٌ ماضية لتُشكّل شبكةً من الخيوطِ الثقيلة، وتُضطرّ النفسُ لانتزاعها بكلّ ما أوتيت من قوة، تاركةً وراءها أثرًا من الدمِ والذهول. ثمةَ أرواحٌ تائهةٌ في متاهاتِ القيودِ والعبودية، تُحاولُ فكّ أسرِ ذواتها، فتجدُ نفسَها ساجدةً أمامَ ميزانٍ راجحتهُ السيف، ومُثقلةً بإحصاءاتِ الظلمِ والخيانة. هذه صفحاتٌ تُبحرُ بنا في أعماقِ النفسِ البشرية، حيثُ تتشابكُ الأوهامُ بالواقع، وتُصبحُ الحقيقةُ مجردَ قناعٍ يُخفي وجهًا قردًا.

هذا ما حدث بالفعل مجموعة قصصية 233 108 يونيو 2019 yes 201091985809 ماهر طلبة كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgzoqV5qLf2nBZhiLtZp8h7sAI6pPtGfm1Azj2GPp0t51c2yP4WwqioXVtPYLhwt8IMVXZ85-1zmaak6TuXSHYoGTapC_6ETGNIxYlNNZip1d13CA9cc0pBkv3kQXn8ZY7PVdaljnR3XPjlcJsgWFTLWuxesqjlj3E8WzTS_4Xu776xB9_mGb2WpIiOH0I/s800/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D8%B7%D9%84%D8%A8%D8%A9.jpg

يستل ماهر طلبة مبضعه ليشق به رداء "الحقيقة" الفضفاض، واضعاً القارئ وجهاً لوجه أمام تساؤل أزلي حول جوهر الوقائع التي ندعي حدوثها بالفعل. الحكايات في هذه المجموعة لا تكتفي بكونها سرداً لواقعات يومية، بل هي مرايا مكسورة تعكس شظايا النفس البشرية في لحظات انكسارها المدوية، حيث يصبح الصمت أحياناً هو اللغة الوحيدة القادرة على نطق "الفرقان". تبدأ الرحلة من نقطة مطر وحيدة، تلك التي ولدت من رحم البحر وحلمت بتغيير ملوحته، لكنها ذابت وانهزمت، لتعلن منذ الاستهلال أننا بصدد نصوص تحتفي بالخسارات النبيلة والأسئلة المعلقة فوق رؤوس أبطال يراوحون بين الرغبة في الانتقام والبحث عن الخلاص. يذكرنا هذا النفس السردي بمرارة "كافكا" حين يجعل الكابوس واقعاً يومياً لا مفر منه، حيث الشخصيات مقيدة بخيوط خفية، تمتد من جوفها لتلف أياديها، فلا تجد فكاكاً إلا بانتزاع أجزاء من أرواحها.

ينبني الوجدان السردي في الكتاب على مفارقات بصرية وحسية حادة، كأننا أمام مشهد سينمائي يصور رجلاً يتدرب على سلاح نصف آلي ليطلق الرصاص على "صورة" حبيبته التي هجرته. هذا الرجل لا يقتل امرأة، بل يقتل الذاكرة، ويحفر قبراً للوهم في عمق الصحراء، معلقاً الصورة على صليب خشبي لينتزع منها اعترافاً لن يجيء أبداً. الموت هنا ليس غياباً للنبض، بل هو توقف المعنى، كما نرى في قصة المصباح الذي ظل مطأطئ الرأس أمام باب محبوبته، ينار بنورها وينطفئ بخذلانها، حتى تحول إلى مجرد حديدة باردة لا تبكيه عين ولا يدفنه أحد بعد أن هجره الضوء. إنها مأساة الكائنات التي تستمد وجودها من الآخر، فإذا ما غاب الآخر، تلاشت هي في العدم، وبقيت مجرد "دليل على الظلم" معلق على الأبواب الموصدة.

تتحول اللغة عند طلبة إلى كائن حي، ينمو كغصة في الحلق، كما في رؤيا ذلك الصديق الذي يغتسل تحت المطر ليشعر فجأة بشبكة من الخيود تمتد في أحشائه. هذا الرمز يعيدنا إلى فكرة العزلة الإنسانية التي تحدث عنها "جبران خليل جبران"، حيث يسجن الإنسان في "هيكله" آلاف الأعوام، يرقب العالم من خلف قناع، ويحصي عدد القتلى والقتلة بدم بارد. الضرير في هذه القصص لا يفقد البصر، بل يفقد القدرة على سماع صياد الديك الذي يحرك الزمن، بينما الديك نفسه، الذي يملك مفاتيح الفجر، يختار الصمت والنوم في أحضان فراخه رغبة في إيقاف عقارب الساعة. هذا الصراع بين الرغبة في النور والخوف من مواجهة الحقيقة هو الخيط الناظم الذي يربط شتات القصص ببعضها البعض، ويجعل من الكتاب وحدة شعورية متماسكة رغم تنوع ثيماتها.

تتجلى فلسفة المؤلف في أن "هذا ما حدث بالفعل" ليس تأريخاً لأفعال مادية، بل هو توثيق للانفعالات التي تسبق الفعل أو تتبعه. في قصصه، يتداخل الحلم بالواقع حتى يذوب الفارق بينهما، وتصبح الدماء المتجمعة في الفم مجرد وسيلة لتطهير الداخل من أدران الخيانة والوحدة. هو يكتب عن السلطان الذي يضع السيف في كفة الميزان، وعن الشعوب التي تبيع وتشتري في سوق اليقين، لكنه ينتهي دائماً إلى الهيكل الفردي، إلى تلك العزلة التي لا يكسرها إلا صوت "الأرضة" وهي تقرض خشب الوجود. إنها مجموعة قصصية تخاطب المثقف الذي يدرك أن الحقيقة ليست فيما نراه، بل في ذلك "الصمت" الذي يسبق العاصفة، وفي القدرة على مواجهة العالم بوجه عارٍ من الأقنعة، حتى لو كان السيف مسلطاً فوق الرؤوس. الدرس النهائي الذي تتركه هذه النصوص في نفس القارئ هو أن الانتصار الحقيقي ليس في إطلاق الرصاص، بل في العودة إلى "الحائط" بوجدان فارغ من الأثقال، تماماً كالمسدس الذي أفرغ رصاصاته في رمال الصحراء وعاد ليسكن مكمنه في سكون مطبق.