واراهم الغياب

"واراهم الغياب" ليس مجرد مجموعةٍ قصصية، بل مرثيةٌ للذكرياتِ التي نرتديها كأثوابٍ لا تخلعُها أرواحنا. تكتبُ لميس نبيل عن الغيابِ بكلِّ تجلياته: غيابُ الوطنِ في زحمةِ العودة، غيابُ الذاتِ في مرايا الماضي، غيابُ الأحبةِ في تفاصيلِ الحياةِ اليومية. كلُّ قصةٍ هنا هي نافذةٌ على روحٍ تبحثُ عن هويةٍ ضائعة، أو صداقةٍ تآكلتْ بكلمةٍ جارحة، أو حبٍّ تلاشى كدخانِ سيجارةٍ في فناءِ الجامعة. بأسلوبٍ سرديّ هادئٍ ومكثّف، ترسمُ الكاتبةُ ملامحَ شخصياتٍ تعيشُ في ظلِّ الغيابِ والوحدة، تحاولُ أنْ تجدَ معنىً في ظلِّ التيه. إنه كتابُ كلِّ منْ شعرَ يوماً بأنَّ الحضورَ مجردُ قناع، وأنَّ الغيابَ هو الحقيقةُ التي نرتديها جميعاً. بينَ فلسطينَ وصديقةِ العمرِ وعائلةِ الروبوتات، تروي لميس نبيل حكاياتٍ تليقُ بكلِّ قلبٍ يتألمُ بصمت. واراهم الغياب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgWq5bXarkVcigrO-xtUvWVdBVv6HNC80ooKs5MYLS8rogG1_5Kmhifk5zirHu_022q5OE9xTzKWbNNM5S8eWl4ph8m7gzgKandBjm9zPyCarpQDm0yoqHZbf__rT37Ljqe08B_NiuLjlFd1LhjA0mYYWLID41o_7KcusMBGhC3SMRQscF6AfUcrYE9AI0/s320/703.jpg

"واراهم الغياب" ليس مجرد مجموعةٍ قصصية، بل مرثيةٌ للذكرياتِ التي نرتديها كأثوابٍ لا تخلعُها أرواحنا. تكتبُ لميس نبيل عن الغيابِ بكلِّ تجلياته: غيابُ الوطنِ في زحمةِ العودة، غيابُ الذاتِ في مرايا الماضي، غيابُ الأحبةِ في تفاصيلِ الحياةِ اليومية. كلُّ قصةٍ هنا هي نافذةٌ على روحٍ تبحثُ عن هويةٍ ضائعة، أو صداقةٍ تآكلتْ بكلمةٍ جارحة، أو حبٍّ تلاشى كدخانِ سيجارةٍ في فناءِ الجامعة. بأسلوبٍ سرديّ هادئٍ ومكثّف، ترسمُ الكاتبةُ ملامحَ شخصياتٍ تعيشُ في ظلِّ الغيابِ والوحدة، تحاولُ أنْ تجدَ معنىً في ظلِّ التيه. إنه كتابُ كلِّ منْ شعرَ يوماً بأنَّ الحضورَ مجردُ قناع، وأنَّ الغيابَ هو الحقيقةُ التي نرتديها جميعاً. بينَ فلسطينَ وصديقةِ العمرِ وعائلةِ الروبوتات، تروي لميس نبيل حكاياتٍ تليقُ بكلِّ قلبٍ يتألمُ بصمت.

واراهم الغياب مجموعة قصصية 703 52 نوفمبر 2022 yes 201091985809 لميس نبيل كاتبة إماراتية

"واراهم الغياب" مجموعةٌ قصصيةٌ تتأرجحُ بينَ الذاكرةِ والواقعِ والمنفى، وتُقدّمُ قراءةً أنثويةً عميقةً في هشاشةِ العلاقاتِ الإنسانيةِ وهويةِ الذات. تبدأُ الكاتبةُ بقصةِ "مدينتي التي قبل الغروب تنام" التي تُعبّرُ عن اغترابِ الفلسطينيِّ في وطنهِ نفسه، حيثُ تعودُ البطلةُ إلى فلسطينَ بعدَ غيابٍ طويل، فتصطدمُ بجفافِ التواصلِ وغيابِ الحضورِ المعنويّ، وتكتشفُ أنَّ الوطنَ ليسَ مجردَ ترابٍ، بل شعورٌ بالانتماءِ يفقدُ بريقهِ حينَ تغيبُ الذاكرةُ الجماعية.

تتنوعُ القصصُ بينَ معالجةِ الصداقاتِ التي يقتلها الزمنُ والكلماتُ الجارحة، كما في "صديقة عمري.. وداعاً" التي تُصوّرُ تحوّلَ صديقةِ الطفولةِ إلى كائنٍ ناقمٍ يرى الفشلَ في كلِّ منْ لمْ يسرْ على نهجِها. وفي المقابل، تستحضرُ الكاتبةُ ذكرياتِ الطفولةِ في "عمي محمود النجار" كملاذٍ دافئٍ في مواجهةِ قسوةِ الغياب، حيثُ يصبحُ العمُّ رمزاً للحضنِ الوطنيِّ والحكمةِ المفقودة.

تتعمقُ لميس نبيل في نقدِ المظاهرِ الخادعةِ للنجاحِ الاجتماعيّ، كما في قصةِ "عائلة روبوتات" التي تكشفُ عنِ الاغترابِ داخلَ الأسرةِ ذاتها، حيثُ يتحوّلُ الأفرادُ إلى آلاتٍ تؤدي أدوارَها دونَ تواصلٍ عاطفيّ، وتُصبحُ الأمومةُ "وظيفةً" تحتاجُ إلى تقديرٍ لا تجدُه. أما في "نوستاليجيا"، فتُعيدُ الكاتبةُ تشكيلَ علاقةِ الإنسانِ بصورِه القديمة، فتطرحُ سؤالَ الهويةِ المتغيرةِ وكيفَ يخوننا الزمنُ حينَ نُصرُّ على التمسكِ بصورةٍ لمْ نعدْ نُشبهُها.

تُوظّفُ الكاتبةُ أسلوباً سردياً مكثفاً وهادئاً، يعتمدُ على التوصيفِ الداخليِّ للمشاعرِ أكثرَ من الحبكةِ الدرامية، مما يُضفي على النصوصِ طابعاً تأملياً شاعرياً. غيرَ أنَّ هذا التكثيفَ قد يُضعفُ أحياناً الحضورَ السرديَّ لبعضِ الشخصيات، لكنه في المقابل، يمنحُ القارئَ مساحةً للتأملِ في تفاصيلِ الحياةِ اليوميةِ التي غالباً ما نمرُّ بها دونَ اكتراث. اللغةُ هنا تنبضُ بجمالياتِ الحزنِ دونَ أنْ تقعَ في فخِّ الرثاءِ المبتذل.

في العمق، "واراهم الغياب" كتابٌ عن كلِّ ما نفقدهُ ونحنُ نعتقدُ أننا نمتلكُه. عنِ الوطنِ الذي يهربُ من بينِ أيدينا، والأصدقاءِ الذين يتحولونَ إلى غرباء، والأسرِ التي تتفككُ تحتَ وطأةِ الروتين. إنهُ تذكيرٌ بأنَّ الغيابَ ليسَ مجردَ حدث، بل هو حالةٌ وجوديةٌ نعيشُها كلَّ يوم، وأنَّ الحضورَ الحقيقيَّ يبدأُ عندما نُمسكُ أيدينا قبلَ أنْ تغيبَ عنَّا.