عاليا يا عرب

تتجمد البصرة في برد شتاءٍ مطير، وعالية تستيقظ لموعدها مع عملٍ بالكاد يستر عوزها في مكتبة التراث. تغتسل، تُعدّ إفطار أخيها القصي، وتُلقي نظرة على والدها الحاج باقر، تتبادل معه تحايا الصباح البهتة. والدتها، رغم تعبها، ماضية في ترتيب غرفتها، تهمس لعالية بكلماتٍ لا تخلو من رجاء: "متى أراكِ في بيت زوجكِ؟". كلماتها تخترق صمت عالية، لكنّ عجلة الحياة لا تنتظر، فالمواعيد لا تؤجل. تنزل عالية إلى الشارع، تاركةً وراءها دفء المنزل وروتينه، لتواجه برد المدينة وبرد الأيام. في مكانٍ آخر، تتصاعد طلبات قصي، ألف دينارٍ ليُتاجر بها في الكويت، يراها سرقةً لأموال شعبٍ جريح، بينما يراها هو فرصةً في سوقٍ لا يرحم. الأمّ تدعو، والأبّ يعطي ما تيسّر، والحياة تدور بين الواجب والفرصة، بين الكرامة والضرورة، وبين غدر الزمن المحدق. عاليا يا عرب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiBvf1LjXIYH4E1eLplqQud994OfyjqsijtNxIZ-rtZ25qDWOgTCzin5VgiSyo1noR0WhFz1gxLjoG9wT_RB9r8eUwyUMkzY9oF3duq4IFML5FqhygUi5mmEdaKTNPs2DPptgN3LIkb79_j0SGL-8wdyqdOuBTA2unpJ-DhpKeC8srnDB_dxw-s2KTs6-k/s320/361.jpg

تتجمد البصرة في برد شتاءٍ مطير، وعالية تستيقظ لموعدها مع عملٍ بالكاد يستر عوزها في مكتبة التراث. تغتسل، تُعدّ إفطار أخيها القصي، وتُلقي نظرة على والدها الحاج باقر، تتبادل معه تحايا الصباح البهتة. والدتها، رغم تعبها، ماضية في ترتيب غرفتها، تهمس لعالية بكلماتٍ لا تخلو من رجاء: "متى أراكِ في بيت زوجكِ؟". كلماتها تخترق صمت عالية، لكنّ عجلة الحياة لا تنتظر، فالمواعيد لا تؤجل. تنزل عالية إلى الشارع، تاركةً وراءها دفء المنزل وروتينه، لتواجه برد المدينة وبرد الأيام. في مكانٍ آخر، تتصاعد طلبات قصي، ألف دينارٍ ليُتاجر بها في الكويت، يراها سرقةً لأموال شعبٍ جريح، بينما يراها هو فرصةً في سوقٍ لا يرحم. الأمّ تدعو، والأبّ يعطي ما تيسّر، والحياة تدور بين الواجب والفرصة، بين الكرامة والضرورة، وبين غدر الزمن المحدق.

عاليا يا عرب رواية 361 104 ديسمبر 2019 yes 201091985809 رؤوف العوضي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi6b7aQrPT0nmHf6I1YS8n1av2DGpt83Z6kjKWNwsTYOU0n8cKB6UFro1oZ5Eoi_553IUmzgRepKGS0ehnYpNkb7ZgZAuXlDmRgTh-pRhLRzhiA2YuxU8S87gduFDRT1Vh_N7Rf_R98TG1J-r5S_nU0P1YhxSV5upu9uBGcu9WfBf5RtCJcNRV7ZgAn-Lk/s295/%D8%B1%D8%A4%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%B6%D9%8A.jpg

تنهض عالية من رماد الفجر في بصرةٍ غسلها المطر، تحمل في حقيبتها رائحة الورق العتيق وعبء التاريخ الذي يوشك أن يتهاوى تحت وطأة القصف. تبدأ الحكاية بملامح بيت عراقي دافئ يقاوم برودة الشتاء، حيث يتوزع أفراده بين أبٍ يرقب الشارع من شرفته كمن يشاهد شريطاً سينمائياً للتلاشي، وأمٍ تحمل قلق الأمهات الأزلي وهي تحث ابنتها على الالتفات لنفسها وللحياة قبل أن يسرقها الوقت. في هذا البيت، تتبدى الفجوة الأخلاقية بين جيلين كما صورها "دوستويفسكي" في صراعات القيم الكبرى؛ فالابن قصي يمثل الروح المنهكة التي أفسدها العوز، إذ يرى في غزو الكويت فرصة للاغتنام والنهب تحت ذريعة الحاجات "المرمية"، بينما تقف الأم كحارسٍ للفضيلة، تندب حظها في ابنٍ يريد بناء ثروته من جراح الأشقاء، مذكرةً إياه بأن الظلم "دقة بدقة"، وأن من استباح عرض جارٍ له، استُبيح بيته ولو بعد حين.

تتحرك بطلة الرواية، عالية، في ممرات مكتبة البصرة للتراث كأنها ناسكة في محرابٍ مهدد بالزوال، حيث يغدو الكتاب في يدها أثمن من الروح. بينما كانت المدينة تشتعل بنيران السياسة والحروب، كانت هي تخوض حرباً من نوع آخر؛ حرب الذاكرة ضد النسيان، والجمال ضد القبح. يظهر "محمود المصري" في حياتها كصوتٍ للوجع العربي المشترك، محاولاً بث روح المقاومة ونبذ القبلية التي تفتت العظام قبل الجدران. محمود لا يتحدث بلسان المقاتل فحسب، بل بلسان الفيلسوف الذي يدرك أن الشعوب التي لا تثور على ظالمها تظل نهباً لكل طامع، وأن الهوية العراقية يجب أن تسمو فوق العشائرية لتواجه القنابل التي لا تميز بين مسجدٍ وبيت.

يتصاعد الإيقاع الدرامي مع انطلاق صفارات الإنذار التي أعلنت تحول سماء البصرة إلى جحيمٍ من الصواريخ وقوات التحالف. في تلك اللحظات الفارقة، يتهاوى الزجاج وتظلم البيوت، وتجد عالية نفسها وحيدة أمام دوي الانفجارات الذي يبدو كأنه يطرق باب غرفتها المجاورة. يبرز الاغتراب الإنساني في أبهى صوره عندما تتمنى عالية حضور محمود، لا كبطلٍ عسكري، بل كملاذٍ آمن تحتمي بصدره من أهوال القيامة الصغرى التي حلت بمدينتها. الرواية هنا لا تؤرخ للحرب كحدث سياسي، بل ترصد تفتت الروح البشرية حين تجد نفسها محاصرة بين نار العدو الخارجي وتفكك النسيج الأخلاقي الداخلي الذي مثله شقيقها قصي.

يبلغ النص ذروته الأخلاقية حين تقرر عالية ألا تستسلم لليأس، فمع إشراقة الصباح التالي للدمار، تنهض بعزمٍ يقدح من بين الركام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من كنوز المكتبة. إنها صورة "سيزيف" العربي الذي يرفض سقوط الصخرة، فهي ترى في بقاء المخطوطات والكتب بقاءً لأمةٍ يراد لها أن تجهل ماضيها لتضيع في حاضرها. الرواية تنتهي بصورة عالية وهي تهرول نحو المكتبة، واضعةً حياتها على كف الموت في سبيل إنقاذ إرث البصرة، وهو الفعل الذي يحولها من مجرد موظفة إلى رمزٍ للمقاومة الثقافية. إنها رحلة في دهاليز النفس البشرية التي تتأرجح بين القوة والضعف، وبين الشرف والخيانة، في زمنٍ سقطت فيه كل الأقنعة ولم يبقَ سوى جوهر الإنسان.