قنطرة الكفاح

كيف يتحول راعي أغنام من صعيد مصر إلى إمام وخطيب، وقارئ على إذاعة القرآن الكريم، وصاحب رسالة دكتوراه في التفسير؟ هذا الكتاب يحكي قصة كفاح استثنائية، تبدأ في عزبة الجوايدة بإسنا، حيث طفولة قاسية لكنها مليئة بالحلم، وتنتهي في استوديوهات الإذاعة والقنوات الفضائية. سيرة ذاتية تجمع بين عبق الريف المصري وروح الأزهر الشريف، وتأخذك في رحلة عبر الزمن، من كتّاب الشيخ سليم برسي حيث تعلم الحروف، إلى مساجد الكويت حيث سجلت صوته إذاعات العالم. في صفحاته، تلتقي بعلماء أجلاء، وتشهد على لحظات التفوق والنضال، وتقرأ قصصاً واقعية عن الصبر والإرادة التي لا تلين، لتعرف أن الكفاح ليس مجرد عنوان، بل هو الجسر الذي يعبر به الإنسان من الفقر إلى المجد، ومن الظل إلى النور. قنطرة الكفاح
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg6zltiQQ0fWW_Djfr4WqWF9zvC7tQlTj-3czC_KPQXa-smTleu67pqziYPGzddISPCroXfLIWIUydqFC5ngfbpslDkbnzcKhuwZyG8gbVzwUnPS-8ZOKUSjHjvSBVeMmqK2JYGKg_bM39Glk4AS5zo9fY6Yoo6-9OheXX5A2k2dptTZ1q1wHuqqtYYMj0/s320/601.jpg

كيف يتحول راعي أغنام من صعيد مصر إلى إمام وخطيب، وقارئ على إذاعة القرآن الكريم، وصاحب رسالة دكتوراه في التفسير؟ هذا الكتاب يحكي قصة كفاح استثنائية، تبدأ في عزبة الجوايدة بإسنا، حيث طفولة قاسية لكنها مليئة بالحلم، وتنتهي في استوديوهات الإذاعة والقنوات الفضائية. سيرة ذاتية تجمع بين عبق الريف المصري وروح الأزهر الشريف، وتأخذك في رحلة عبر الزمن، من كتّاب الشيخ سليم برسي حيث تعلم الحروف، إلى مساجد الكويت حيث سجلت صوته إذاعات العالم. في صفحاته، تلتقي بعلماء أجلاء، وتشهد على لحظات التفوق والنضال، وتقرأ قصصاً واقعية عن الصبر والإرادة التي لا تلين، لتعرف أن الكفاح ليس مجرد عنوان، بل هو الجسر الذي يعبر به الإنسان من الفقر إلى المجد، ومن الظل إلى النور.

قنطرة الكفاح مذكرات 601 144 سبتمبر 2021 yes 201091985809 د. عبده محمد الجوايدى كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhq0XS0f0THaralnQqQL14btefOa3rPHYeLvu8-xF2oPFg_UeVPQC1ONCqDMDwvQlEyc7_WmKvUiNH8Y6ATJwohc4o7C0BdjGc0ixEo08fHhHBEWa-xK0AD6MPoF__ctZopSKU4XZGM9Z5EHohOJTZntGssTTA0_krqEfqXNnQCkBYvkKX4uo7vOYGyVQQ/s295/%D8%AF.-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%87-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D9%89.jpg

يبدأ المؤلف بسرد نسبه الممتد إلى آل البيت، ومولده في عزبة الجوايدة بإسنا سنة 1965، ونشأته في بيئة ريفية قاسية، حيث كان والده فلاحاً كفيفاً، وأمه نموذجاً للمرأة الصعيدية القوية التي علمته صنعة الحياة. من هنا، تنساب الذكريات: رعي الأغنام وصيد الأسماك، واللعب على ضفاف ترعة الرمادي، وتعلم الآذان في مسجد القرية، وحفظ القرآن في كتّاب الشيخ سليم برسي، حيث الضرب بالفلقة لم يكن عقاباً بقدر ما كان طقساً من طقوس التربية القاسية التي شكّلت شخصيته. لم تخلُ تلك المرحلة من مشاهد طريفة، كتخليه عن الكتاب خوفاً من العقاب، وهروبه إلى المرعى مع الغنم، ثم اكتشاف الشيخ لأمره وإرسال تلميذ ليجلبه، ليعود ويُضرب، لكنه لا يتوقف عن العودة.

في المدرسة، يظهر نبوغه المبكر، خاصة في مادة اللغة العربية، ويتفوق في المسابقات القرآنية، ويحصل على جوائز بسيطة لكنها ثمينة في عينيه، مثل قلم "منفستو" الذي يظل رمزاً للتقدير. تتنقل السيرة بين حياته الدراسية في معهد إسنا الديني، حيث كان من الأوائل، ثم التحاقه بكلية أصول الدين والدعوة في جامعة الأزهر بأسيوط، حيث حصل على ليسانس بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف الأولى. وهنا، يبرز دور المكافأة المالية التي كان يحصل عليها بتفوقه، والتي كانت كافية لتغطية إيجار سكنه في المدينة الجامعية، دون أن يكلف والده شيئاً، وهو ما يوضح كيف كان التفوق العلمي وسيلة للاستقلال المادي في ظل ظروف عائلية صعبة.

يخصص المؤلف فصلاً كاملاً لشيوخه وأساتذته، ويعقد مقارنات بين أساليبهم، ويستعرض المواقف التي غيرت مساره، مثل موقف أستاذه الذي أقسم أن ينفق من عياله ليدخله الجامعة، وتشجيعه الدائم، وحضوره لحلقات كبار القراء مثل الشيخ عبد الباسط والشيخ المنشاوي. كما يسجل لقاءاته بالعديد من علماء الأزهر، وزيارته لقرية مفتي الديار الشيخ محمد بخيت المطيعي، والمشاركة في أنشطة المركز الإسلامي الجعفري ببني عديّات، وهي تجارب وسعت مداركه وربطته بتراث الصعيد العلمي. هذا الفصل يعكس عمق الانتماء المؤسسي للأزهر، ليس كجامعة فحسب، بل كمنظومة قيمية وروحية تشكل وعي طلابها.

في الفصل الخاص برحلاته وسفره، يتوقف الكتاب عند انتقاله إلى الكويت عام 2000 عبر مسابقة للقرآن والفقه، وهناك يلتقي بالشيخ عبد السلام حبوس الذي يشرف على تسجيله في إذاعة القرآن الكريم، ويصبح صوته معلماً بارزاً، حيث سجل الأذان، والأدعية، والتلاوات التي ما زالت تذاع بين الحين والآخر. كما يرصد رحلاته السياحية إلى تركيا، حيث زار مسجد آيا صوفيا والسليمانية، ومراد باشا، وأسكراي، وكتب جزءاً من رسالة الدكتوراه في مكتبة بإسطنبول، في مشهد يجمع بين الجهاد العلمي والمتعة السياحية.

الفصل الخاص بمناقشة الدكتوراه، يكشف عن صبره على الدراسة عن بعد عبر جامعات التضامن الفرنسية العربية في النيجر، وكيف ناقش رسالته رغم ظروف السفر والاغتراب، وحصل على الشهادة العاملية عام 2019. وفي المقابل، يورد الكتاب قائمة طويلة من قصصه القصيرة، مثل "رحيل أبي" التي تروي وداعه لوالده الكفيف، و"الرسامة المبدعة" عن ابنته التي تبرعت في الرسم رغم تخصصها الشرعي، و"الساقية الموسيقية" التي تحول فيها مشهد الساقية القديمة إلى استعارة للحياة والنظام الإلهي، و"الديك الذكي" وهي حكاية طريفة عن علاقته بديك المنزل الذي كان أيقونة الصباح، ثم أصبح رمزاً للتحدي والكرم بعد أن تصالح معه. هذه القصص، وإن بدت جانبية، فهي تعكس قدرة المؤلف على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة أدبية ذات بعد إنساني وأخلاقي.

في المجمل، تقدم "قنطرة الكفاح" صورة متكاملة لحياة رجل من الصعيد، لم يكتف بالنجاح الأكاديمي والمهني، بل ظل محتفظاً بجذوره وذاكرته وعلاقاته، ساعياً إلى توثيق تلك الرحلة التي لم تكن سهلة، لكنها تثبت أن الإرادة، والعلم، والدعاء، والصحبة الصالحة، هي مفاتيح العبور من القنطرة الضيقة إلى حيث النور.