عين الرضا

هناك أوقاتٌ نكتشف فيها أن من نعرفه ليس سوى قناعٍ ارتداه القدر، وأن جدران منزلنا قد تخفي أكثر مما نتصور. في رواية "عين الرضا"، تفتح سارة، الفتاة الجامعية المتفوقة، باباً موصداً منذ طفولتها إلى ماضٍ مسكوت عنه، تظن أنها ستعثر فيه على عدالةٍ ضائعة، لكنها تصطدم بجحيمٍ لا يقل قسوة عن صمتها الموروث. بين القاهرة وقرية الفيوم البعيدة، تمتد حكاية عائلة مزقتها الخيانة، وطمست معالمها صفقةٌ نافذة، وتركَت جراحاً تنتظر من يلملم شتاتها. ليست الرحلة إلى هناك بحثاً عن جذور، بل مواجهةٌ مع وحوشٍ حقيقيةٍ ترتدي ثياب الدم، ووجوهٍ تغيرت بفعل الطمع حتى صارت غريبة. بخطٍ سردي دافئ ونظرةٍ ثاقبةٍ في طبائع البشر، تروي منى أبو المحاسن حكاية امرأة تصر على كسر جدار الصمت، لتكتشف أن الحقيقة قد تكون أثقل من أن تُحتمل. "عين الرضا": روايةٌ عن الذاكرة المقتولة، وعن أولئك الذين يدفنون أحلامهم تحت رماد الأيام، ثم ينتظرون عيناً ترضى أن تراهم كما هم. عين الرضا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEifRyqI_DjOJB7Ngs-_rvZ5HTWZRkL-z6LTZjILxXhNGrNwhvHTcI7gT6tUAFSvklUTXvfaZtOI1a4kD4RoXRQhcrV-ohbXYGPyL8OBKWDanZaHiCHI3wiJ5z7vJU8WQoREbdvERE82Wm9tpMAUe3InSarPpNYdaQ-LWJFBofpf9yj3TMak2Qtvz1Uhy58/s320/564.jpg

هناك أوقاتٌ نكتشف فيها أن من نعرفه ليس سوى قناعٍ ارتداه القدر، وأن جدران منزلنا قد تخفي أكثر مما نتصور. في رواية "عين الرضا"، تفتح سارة، الفتاة الجامعية المتفوقة، باباً موصداً منذ طفولتها إلى ماضٍ مسكوت عنه، تظن أنها ستعثر فيه على عدالةٍ ضائعة، لكنها تصطدم بجحيمٍ لا يقل قسوة عن صمتها الموروث. بين القاهرة وقرية الفيوم البعيدة، تمتد حكاية عائلة مزقتها الخيانة، وطمست معالمها صفقةٌ نافذة، وتركَت جراحاً تنتظر من يلملم شتاتها. ليست الرحلة إلى هناك بحثاً عن جذور، بل مواجهةٌ مع وحوشٍ حقيقيةٍ ترتدي ثياب الدم، ووجوهٍ تغيرت بفعل الطمع حتى صارت غريبة. بخطٍ سردي دافئ ونظرةٍ ثاقبةٍ في طبائع البشر، تروي منى أبو المحاسن حكاية امرأة تصر على كسر جدار الصمت، لتكتشف أن الحقيقة قد تكون أثقل من أن تُحتمل. "عين الرضا": روايةٌ عن الذاكرة المقتولة، وعن أولئك الذين يدفنون أحلامهم تحت رماد الأيام، ثم ينتظرون عيناً ترضى أن تراهم كما هم.

عين الرضا رواية 564 112 مايو 2021 yes 201091985809 منى أبو المحاسن كاتبة مصرية

تفتتح الرواية بعالمٍ جامعيٍ هادئ، تتقاطع فيه حياة سارة الطالبة المتفوقة مع صديقتها رقية التي تمثل نقيضها الصاخب. غير أن هذا الهدوء سرعان ما ينكشف عن طبقةٍ أعمق من الصراع، حين تبدأ سارة في استجواب ماضي عائلتها بعد لقاء عائلٍ فاشل يكشف لها فجوةً لم تكن تعلم بوجودها. فهي تعيش مع والديها في شقةٍ متواضعة بالقاهرة، تحفظ ملامح والدها الرحيمة، وتجهل تماماً الحكاية التي صنعت صمته، وحفرت في وجه والدتها حزناً لا يُعلن عنه. ومن هنا، تنطلق الرحلة التي تشكل العمود الفقري للرواية: رحلة البحث عن عائلة الأم، المدفونة في قرية الفيوم، والمخبأة خلف ستارٍ من الإهمال والقطيعة.

تتوسل سارة معرفةَ الحقيقة، فتتلقى على استحياءٍ حكاياتٍ متناثرةً من والدتها عن جذورها الممزقة: عن جدها الريس إبراهيم الذي احتضن والدها الغريب، وعن الجدة القاسية التي كانت تقابل زيارات ابنها بالجفاء، وعن العم الغادر الذي استولى على الميراث بعد أن تلاعب بعقل الجدة المريضة. وهنا، تظهر العلاقة بين الماضي والحاضر كخيطٍ رفيعٍ يربط بين هشاشة الذاكرة وقسوة الواقع، إذ تدرك سارة أن والدها لم يقطع صلته بعائلته عبثاً، بل كان يحميها من شرٍ لم تكن تعرفه. غير أن إدراكها هذا لا يمنعها من الشعور بالغبن، فتصر على إعادة بناء الحكاية بنفسها، ولو كان الثمن هو كسر صمت والدها الذي طالما هيمن على حياتهم.

بالتوازي مع سعي سارة، تقدم الرواية شخصية مصطفى، شقيق رقية، الذي يتولى مهمة البحث عن المعلومات بمقابلٍ مادي. مصطفى ليس مجرد وسيطٍ محايد، بل هو مرآةٌ مقلوبة لسارة: رجلٌ هزمته خيانةٌ عاطفية، فحوّلت طبعه الهادئ إلى قسوةٍ عمليةٍ وتفكيرٍ حسابي. يحمل في جعبته جرحاً قديماً من علاقةٍ فاشلة مع فتاةٍ استغلت سذاجته، ليتحول بعدها إلى شخصٍ لا يثق بأحد، ويجعل من مبادئه سلعةً تباع وتشترى. من هنا، تتقاطع أطياف الألم بين سارة ومصطفى، وإن اختلفت أسبابهما، إذ يسعى كلاهما إلى استعادة شيءٍ فُقد: هي تبحث عن جذورٍ تعوضها عن شعورها بالغربة داخل منزلها، وهو يبحث عن ثأرٍ معنويٍ من عالمٍ راهن على ضعفه.

لا تخلو الرحلة من لقاءاتٍ شائكة، تتصدرها زيارة الفندق المتهالك في الفيوم، حيث تلتقي سارة بشيخ القرية الذي يكشف لها أن جدها ما زال حياً، محبوساً في غرفةٍ مظلمة على يد عمها، بعد أن استولى على كل ما يملك. وهنا يتجلى جوهر الصراع الذي لم تكن سارة تتوقعه: لم يكن والدها جباناً أو متخلياً، بل كان ضحيةً لصراعٍ عائليٍ أعنف مما تخيلت. هذا اللقاء يغير نظرتها بالكامل، ليس فقط إلى ماضي عائلتها، بل إلى صمت والدها الذي بدا لها يوماً جريمةً، فاتضح أنه درع.