فوق السحاب

عيناك نافذتان إلى سماءٍ تتسع، هل تذكر خفقان القلب مع زرقة البحر؟ هل احتضنت لياليك نجمة، أم أن ظلمات العالم المادي ابتلعت شفق روحك؟ يغريك الجمال، والمال، والقصور، والمجوهرات، لكن هل تأملت السحب يوماً، ذلك القلب الذي يقف على الأرض وعقله يحاول رسم جسور بينهما؟ هو الحب ببساطة. الأمومة غريزة قاهرة، لا تطيق رؤية فلذة كبدها يتمزق. ونحن، إذ نخلع رداء السن، نعود إلى براءة الطفولة وأحضان أمي، باحثين عن خيالٍ يحررنا من قيود الأرض. فإذا أحببت، انفتحت رؤاك، وشعرت بعوالم خفية لا تدركها إلا قلوب العاشقين. بنيت قصوراً من موج البحر، ورسمت لوحاتٍ من السحب، وطرت مع النحل، وسعيت وراء النمل. هذه هي رحلتك، رحلةٌ تتجاوز حدود ما تراه العين، وترتقي بالروح إلى حيث الأبجدية الأولى للحب والجمال. فوق السحاب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjOhU2EbUQ2CNii2VxfM2YesAx2gsNmCH6tKe_isiQGWB21G9iPsAtVwBUKQfl7AY9iM7oUOKL4QahNeSnhEHnCagWhHxY9wfzcmWHAWqlvqMRbU8fh_aeCNrWNm6S0QshQb26yNBGpDjj-Gf-cImNRRJNE5lsMcnD0GTAuIc9arwZib6sZaYfvnZM56fQ/s320/221.jpg

عيناك نافذتان إلى سماءٍ تتسع، هل تذكر خفقان القلب مع زرقة البحر؟ هل احتضنت لياليك نجمة، أم أن ظلمات العالم المادي ابتلعت شفق روحك؟ يغريك الجمال، والمال، والقصور، والمجوهرات، لكن هل تأملت السحب يوماً، ذلك القلب الذي يقف على الأرض وعقله يحاول رسم جسور بينهما؟ هو الحب ببساطة. الأمومة غريزة قاهرة، لا تطيق رؤية فلذة كبدها يتمزق. ونحن، إذ نخلع رداء السن، نعود إلى براءة الطفولة وأحضان أمي، باحثين عن خيالٍ يحررنا من قيود الأرض.

فإذا أحببت، انفتحت رؤاك، وشعرت بعوالم خفية لا تدركها إلا قلوب العاشقين. بنيت قصوراً من موج البحر، ورسمت لوحاتٍ من السحب، وطرت مع النحل، وسعيت وراء النمل. هذه هي رحلتك، رحلةٌ تتجاوز حدود ما تراه العين، وترتقي بالروح إلى حيث الأبجدية الأولى للحب والجمال.

فوق السحاب خواطر 221 80 أبريل 2019 yes 201091985809 د. هشام عباس كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiSU6mu2qiBW71goYZXHpoco23tI1QKDvTUTZuxcAQlKX392ZN0qsDTdaMAgOqhGiYR32BIQ-GNx7PnT-inV-pC_XSRlSU7QUtHE9snenZRSQ29MVCs9e9wpmmCVgw-RRNzUhylodUokAFksG98Eo33Pj9p6aCSK5OnF0XtXJCTqkO_ZsiT8BWrSDJow04/s800/%D8%AF.-%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg

تحليقُ الروحِ يبدأُ حينَ تتصالحُ الأقدامُ المثبتة في وحلِ المادةِ معَ رؤوسٍ لا تكفُّ عنِ اختراقِ حُجبِ الغيمِ، وهذا ما يخطُّه الدكتور هشام عباس في أثرهِ "فوق السحاب". الكتابُ ليسَ مجردَ سردٍ لخواطرَ عابرةٍ، بل هوَ جردٌ معنويٌّ لكلِّ تلكَ اللحظاتِ التي ينسى فيها الإنسانُ كينونَتهُ في غمرةِ الركضِ خلفَ بريقِ الذهبِ والمساكنِ الفارهةِ، واصفاً الحبَّ بأنهُ تلكَ المعادلةُ البسيطةُ والمستحيلةُ في آنٍ واحد: قدمانِ على الأرضِ وقلبٌ بَيْنَ السحبِ. إنَّ الكاتبَ يدركُ تماماً أنَّ العقلَ البشريَّ يظلُّ يبحثُ عن خيطٍ يربطُ بينَ واقعيَّتِهِ القاسيةِ وظلالِ أحلامِهِ، ومن هنا ينطلقُ القلمُ ليذكّرنا بفتنةِ البحرِ وزرقتِهِ، وبأنَّ النجومَ ليستْ مجردَ نقاطٍ مضيئةٍ في الفراغِ، بل هيَ قناديلُ تشتعلُ لتضيءَ ممراتِ العقلِ المظلمةِ حينَ يحتضنها في خيالِهِ.

العالمُ يمتلئُ بأشياءَ بديعةٍ تُغري الحواسَ؛ من مالٍ ونساءٍ ومجوهراتٍ، لكنَّ المؤلفَ يطرحُ سؤالاً جوهرياً حولَ المدى الذي تفتَّحتْ فيهِ شرايينُنا لاستقبالِ هذا الجمالِ الحقيقيِّ لا المظهريِّ. يستحضرُ النصُّ صورةَ الأمومةِ ليسَ بصفتِها علاقةً بيولوجيةً فحسب، بل كغريزةٍ قاهرةٍ ترفضُ رؤيةَ القلبِ يتمزقُ، ومن هنا تنبعُ رغبةُ الكاتبِ في خلعِ رداءِ السنينِ والعودةِ إلى براءةِ الطفولةِ، حيثُ لا وسيطَ بينَ المشاعرِ وحضنِ الأمِّ. الخيالُ في هذا العملِ هوَ الجناحُ الذي يلتمسُهُ منْ أضنتْهُ القيودُ الأرضيةُ، فالعاشقُ هوَ الوحيدُ الذي يرى ما لا يراهُ الآخرونَ، ويفهمُ لغةَ الزهورِ والطيورِ، ويشيّدُ قصوراً من موجِ البحرِ، ويطيرُ مع النحلِ ليستكشفَ الأسرارَ الكامنةَ في إصرارِ النملِ على بلوغِ القمةِ.

القلوبُ في هذا النصِ تشبهُ المحاراتِ المتناثرةِ في بحارِ اللهِ، كلُّ محارةٍ تخفي في جوفِها لؤلؤةً فريدةً، لكنها تظلُّ سجينةً لأنها تخشى الانكشافَ والهشاشةَ أمامَ قسوةِ العالمِ. يكتبُ هشام عباس بلسانِ الطائرِ المحلّقِ الذي يرفضُ الهبوطَ إلى أرضِ اليأسِ رغمَ تحذيراتِ المحيطينَ منْ وعورةِ الطريقِ وكثرةِ المآسي، مؤكداً أنَّ الوجودَ بحاجةٍ دوماً إلى أملٍ محلّقٍ يتطلعُ إليهِ المتعبونَ ليدركوا أنَّ الحياةَ ليستْ جنازةً مستمرةً. إنَّ النجاحَ الحقيقيَّ، كما يصورهُ الكتابُ، هو كلمةُ شكرٍ توجهها إلينا الحياةُ تتويجاً لسعينا المخلصِ، وهو توازنٌ دقيقٌ بينَ الحلمِ والواقعيةِ، فلا استغراقٌ في الخيالِ يبني قصوراً من رمالٍ تذروها الرياحُ، ولا انغماسٌ في المادةِ يجعلُ الإنسانَ جافاً ملتصقاً بالترابِ منقطعاً عن نداءِ السماءِ.

الشمسُ في فلسفةِ الكاتبِ لا تمرضُ أبداً، بل هيَ حينَ تغيبُ تتوسدُ السحابَ لتعيدَ ترميمَ ضوئِها، تماماً كما تحتاجُ قلوبُنا إلى استعادةِ طفولتِها لتظفرَ بالبراءةِ والنقاءِ. الظلامُ ليسَ عدواً، بل هو عباءةٌ سوداءُ أنيقةٌ يرتديها النورُ لبرهةٍ منَ الزمنِ ليمنحنا فرصةَ التأملِ، وكأننا أمامَ رؤيةِ "بسكال" الذي رأى في صمتِ الفضاءِ رعباً يدفعهُ للإيمانِ. ومع تراكمِ أوراقِ الخريفِ فوقَ أرواحنا، يظلُّ الإيمانُ هو القوةَ الوحيدةَ الكفيلةَ باستحضارِ الربيعِ مرةً أخرى، لتعودَ الحياةُ وتزهرَ في تلكَ المساحاتِ التي ظننا أنها ذبلتْ للأبدِ. يُنهي الكتابُ رحلتَهُ بالمسامرةِ معَ القمرِ على صفحةِ السماءِ الفسيحةِ، حيثُ تتلاشى الهمومُ الصغيرةُ وتتحولُ الخواطرُ إلى ترانيمَ كونيةٍ تذكرنا بأننا، رغمَ ضآلتنا، نحملُ في داخلنا عالماً أكبرَ من هذا الكونِ المرئيِّ.