خشوع في محراب الوهم

هي ليست مجرد مربية، بل سجانة متقنة تخفي خلف قناع الطيبة أدوات تعذيب نفسي نادراً ما تصدقه العقول. هكذا تبدأ مأساة ياسمين، التي ورثت ابنتها بيسان خوفاً مستقيماً من ذات الجلاد، لتنمو الصغيرة على يقين أن ضعفها نابع من كونها أنثى، فتحلم بتحول مستحيل كطريق وحيد للخلاص. بين جبروت امرأة تمارس الوحشية بحجة التربية، وحزن زوج أرمل لا يرى بعيداً عن وهمه، ووصية مفاجئة تقلب الموازين، ينسج الكاتب عالماً من الصراع النفسي حيث يختلط الخشوع بالوهم، وتتحول علاقات القربى إلى ساحة حرب صامتة. هل تقوى رحمة، الصديقة الوفية، على كسر جدار الصمت، أم ستظل بيسان أسيرة محراب الوهم حتى النهاية؟ خشوع في محراب الوهم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgTXKLw2e6xLGs8CbjznBY9SVjsNhe88dWkzLgcIycgw_6ru_O0xuqr9owzN6PEpz0fr4CN76XT0ar-ex221dSySkstzMvrmQ_RvFuaHPrXmk7wOd6Vi6lUSQL6FWFKuX6vbuDviVWMCqllF5kXnYD7-XqkeK2wWlzDp6tIuEgmDk0Zj-YQCh7N2P-k_0Y/s320/648.jpg

هي ليست مجرد مربية، بل سجانة متقنة تخفي خلف قناع الطيبة أدوات تعذيب نفسي نادراً ما تصدقه العقول. هكذا تبدأ مأساة ياسمين، التي ورثت ابنتها بيسان خوفاً مستقيماً من ذات الجلاد، لتنمو الصغيرة على يقين أن ضعفها نابع من كونها أنثى، فتحلم بتحول مستحيل كطريق وحيد للخلاص. بين جبروت امرأة تمارس الوحشية بحجة التربية، وحزن زوج أرمل لا يرى بعيداً عن وهمه، ووصية مفاجئة تقلب الموازين، ينسج الكاتب عالماً من الصراع النفسي حيث يختلط الخشوع بالوهم، وتتحول علاقات القربى إلى ساحة حرب صامتة. هل تقوى رحمة، الصديقة الوفية، على كسر جدار الصمت، أم ستظل بيسان أسيرة محراب الوهم حتى النهاية؟

خشوع في محراب الوهم رواية 648 218 يناير 2022 no ماجدة عبد الفتاح كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiEw4u2lO_WT_ZkRzXkHvOqZJ7Q-9r0g8SZZrZUq5V1s_xQ9VS7h-Va6Bk8tVlFMSJnlmTO0ZF69Si5DziHoo1d9bx9CftzpkxzwTOpfJDgfpjN44BvN6BJbYUpY9lyQoFhtb87JVAViYiZ0Yd3XUhuMhEapTNjc3eQKy5WHB-dqxSzRd84d-flqZQJ9cE/s800/%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD.jpg

رواية "خشوع في محراب الوهم" تقدم مقاربة نفسية عميقة لآليات تشكل الخوف وتحوله إلى إعاقة وجودية، عبر حكاية تمتد لعقود وتتوارث فيها الذكريات المؤلمة كجيناتٍ لا تُرد. إذ يستهل الكاتب مشهداً للزوجة ياسمين وهي ترتجف من مجرد مفاجأة زوجها لها، في مشهد يختزل كل الخراب الداخلي الذي سببه إيذاء نفسي طويل. لكن المأساة لا تقف عند جيل واحد، بل تنتقل إلى الطفلة بيسان التي تُولد يتيمة الأم، لتقع فريسة مربيتها ذاتها التي أعادت إنتاج آليات العذاب بحجة التربية والتقويم. من هنا، تطرح الرواية سؤالاً وجودياً عن حدود الألم النفسي وقدرته على إعادة تشكيل الهوية، وعن كيف يمكن لطفلة أن تقرر أنها تريد تغيير جنسها لمجرد التحرر من عقدة الخوف، لا عن اقتناع جوهري، وكيف يصبح الوهم ملاذاً تلوذ به الذات المنهزمة.

واللافت في البناء الروائي أن الكاتبة لم تكتف بتصوير المعاناة، بل رصدت بدقة سيكولوجية حركة التأثير المتبادل بين الشخصيات، فظهر زوج ياسمين، يحيى، كأب حائر يعيش صراعاً بين حبه لذكرى زوجته وبين احتياجاته الحياتية، ليقرر اعتزال الارتباط خوفاً من الخيانة الوهمية لراحلته، فيقع في فخ إهمال ابنته التي أصبحت ضحية سهلة. وفي المقابل، برزت شخصية رحمة، صديقة ياسمين، كقوة موازنة، إذ حملت على عاتقها وصية ثقيلة دفعتها لخوض صراع داخلي بين إخلاصها لذكرى صديقتها ورغبتها في إنقاذ طفلتها، وبين كبريائها الذي نال منه رفض يحيى المتكرر. هذا التشابك بين النوايا الحسنة والنتائج الكارثية يشكل عصب الرواية، حيث يتحول كل قرار حميد إلى عواقب وخيمة بفعل سوء الفهم وضعف التواصل، مما يرسخ الرؤية المركزية للكاتبة أن الخوف يخلق وهماً أقوى من الواقع نفسه.

تتجاوز الرواية حدود الحكاية العائلية لتصبح درساً في علم النفس المرضي، فمن خلال شخصية "تهاين" السادية، تكشف الكاتبة عن نموذج للجاني الذي يمارس إيذاءه بحجة الواجب والتربية، وصولاً إلى لحظة انهيارها حين تدّعي أنها كانت تعد الضحية للحياة، في تناقض صارخ بين الفعل والدافع المزعوم. وفي الطرف الآخر، تقدم صورة بانورامية للمعالجة النفسية، ممثلة بطبيبين يسعيان لإعادة بناء الثقة المهشمة لدى بيسان، وكيف أن التحدث باسم الخوف وحده قادر على تفكيك أسواره. وهنا تبرز فكرة أن الشفاء يبدأ حين يعترف المرء بأن وهمه ليس أكثر من درع صدئ يحتاج لخلعه، لا لتعزيزه.

أما النهاية، فتحمل في طياتها رؤية متفائلة لكنها غير مثالية، فالكاتبة لم تمنح شخصياتها خلاصاً سحرياً، بل خلاصاً كسبته المعاناة والجهد الإرادي والوعي الذاتي. وتأتي العبارات الختامية للكاتبة كتتويجٍ لهذا المسار، حيث تؤكد أن الكتاب كُتب "لمناقشة كيف يمكن للوهم أن يكون قاتلاً ومخيفاً"، ولمّحت إلى أهمية دور الأسرة في كسب ثقة الطفل، مع اختيار المربين بعناية، وضبط النفس أثناء التعامل مع الصغار. بهذا، تنجح الرواية في أن تكون مرآة لمجتمع يعاني غالباً من صمت العذاب الخفي، ونداءً صريحاً لفضح القسوة التي ترتدي ثوب الرعاية، معلنة أن التحرر الحقيقي يبدأ بوعي الذات، لا بتغيير الجسد، وأن الحياة لا تُعاش بخشوع الوهم، بل بمواجهة الواقع كما هو.