رحلة في بطن التنين

على حافة عالمين، عالم القرية المغلقة بعاداتها الذكورية وتقاليدها المتصلبة، وعالم المدينة والغربة المفتوح على كل الاحتمالات، تحكي هذه الرواية سيرة روح لا تستكين. إنها رحلة فتاة تنبت في تربة متصدعة، تحلم بغير ما ترى، وتبحث عن قلمها الضائع في غابة الليل، فلا تجده إلا في قلب رجل شبح اسمه "عود الريحان". ليست القصة مجرد حكاية نضال، بل تأمل في لعبة السلطة بين الدين والجاه، بين الأنثى والذكر، بين الحلم الذي يضيء الطريق والواقع الذي يطفئه. هنا تختلط الأسطورة باليومي، وهنا يتحول الحليب إلى حبر، وتخرج المرأة من صندوق العيب لتكتب مصيرها بيدها. رواية تتنفس بصعوبة، لكنها تصر على ألا تموت. رحلة في بطن التنين
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjum8rCgnl1KBz72ngdBN9PginZq9PxXg4sZ5qX2RWBdLTLRBwoF5eGjp1eKB5bHSsu7rDsiEAILMEQo3EE0J4MjgbLWxW9jTUQ773Oif3-4to7TFektTxInQerJVk9TEuMYW-XiDv5yAx_pF9NvhXA94yOS7K8f3GqbI3zNygPR9MGEjnpxS9Y4c-Qpco/s320/596.jpg

على حافة عالمين، عالم القرية المغلقة بعاداتها الذكورية وتقاليدها المتصلبة، وعالم المدينة والغربة المفتوح على كل الاحتمالات، تحكي هذه الرواية سيرة روح لا تستكين. إنها رحلة فتاة تنبت في تربة متصدعة، تحلم بغير ما ترى، وتبحث عن قلمها الضائع في غابة الليل، فلا تجده إلا في قلب رجل شبح اسمه "عود الريحان". ليست القصة مجرد حكاية نضال، بل تأمل في لعبة السلطة بين الدين والجاه، بين الأنثى والذكر، بين الحلم الذي يضيء الطريق والواقع الذي يطفئه. هنا تختلط الأسطورة باليومي، وهنا يتحول الحليب إلى حبر، وتخرج المرأة من صندوق العيب لتكتب مصيرها بيدها. رواية تتنفس بصعوبة، لكنها تصر على ألا تموت.

رحلة في بطن التنين رواية 596 120 أغسطس 2021 yes 201091985809 الزهرة الغلبي كاتبة مغربية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEihxKblwpjlk6JlW7d_3KXQnsGumQvgLnrsbMpqFQzNmeTqfUt48tW4nE_P00yyxBKpXO4QCU1G7f7CwMNrhJCgesy4VVreXEDsTlKv3pt8TFK-YSBQcHLyPrfHXEWtCLuA4Zq9dx09qmflamVO-dLrBtIikpfyycd7uKXmO9jX1SzSVv_Nm30xLnwOy8o/s295/%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%84%D8%A8%D9%8A.jpg

تنطلق العابدة من رحم قرية تحكمها ذكورية قديمة وخرافات تتوارثها النساء أكثر مما يتوارثن الماء، فتسير في طريقين لا يلتقيان: طريق الحلم المعلق في السماء، وطريق التراب الملتصق بالجسد. 

لا تخلو نشأتها من انتصارات صغيرة، فاجتيازها المدرسة ورسوب أخيها الأكبر يمنحانها فرحة الغلبة الأولى، في حين كان والدها يفضّل الذكور على الإناث، ويشتري الدراجات للأبناء ويترك البنات للمطبخ. غير أن المفارقة تكمن في تعلّقها بوالدها رغم إقصائه، وتقديسها له رغم تمييزه، وكأن القلب يعرف حقيقة لا تدركها العين.

تتخذ الرواية بنية موسيقية واضحة، إذ تنقسم إلى "معزوفات" كما تُسمى فصولها، مما يوحي بأن الحياة ليست سوى نوتات متقطعة، لا تنسجم إلا في لحظات نادرة. 

ومع كل معزوفة، تقدّم العابدة خطوة أخرى في رحلتها الوجودية، مصطحبة معها ذاكرة الريف وجروح الطفولة ومشاهد الفقيه المزور الذي يمارس النفاق الديني باسم التقوى، وتكتشف بمرور الزمن أن شر القرية لا يأتي من خارجها، بل من داخلها، من أعراسها وأفراحها ومن نسائها اللواتي يُسارعن إلى تزويج بناتهن تحت وطأة عادة أعمى من عقل.

تظهر شخصية "عود الريحان" كمرآة روحية للعابدة، صديق يتحول إلى حصان أسود، وإلى قلم أخضر، وإلى ظل يسير بجانبها في الغابة دون أن تمتلكه، إنه رمز الحرية التي لا تقبض عليها اليد، والرفيق الذي يظهر في لحظات الضياع ليختفي بعد أن يوجه البوصلة، وهذا الأسلوب الرمزي يعكس ميل الرواية إلى المزج بين الواقعي والخيالي، وكأن الحياة لا تُفهم بعقلانية جامدة، بل بحلم صافٍ وحدس يسبق المنطق.

وفي حين تنسج العابدة دربها الدراسي الجامعي كحلم بعيد المنال، يظل الماضي الثقيل يلاحقها، ليس من خلال الذكريات وحدها، بل عبر انعكاس آلام النساء اللواتي تركتهم خلفها: أمي الشريفة التي اغتيلت صمتها أكثر مما اغتيل جسدها، وكريمة التي أنجبت ثلاثة توائم ومات واحد منها، وزنوبة التي تزوجت الفقيه خادعة، إلى جانب جدتها التي عاشت طفلة بلا طفولة.

كل هؤلاء النسوة يُمثلن وجهاً واحداً من آلام الأنثى في مجتمع يُعلن النساءَ في الأعياد ويقصيهن في الحياة.

من هنا تنتقل الرواية نحو فضاء أوسع، إذ تسافر العابدة إلى بلاد التنين بحثاً عن معنى جديد للحياة، هناك تلتقي بنور وحورية وإيري، وتتعرف على نظام اجتماعي مختلف، وتشهد فيضانات وأسواقاً ومسارح، وتُمارس حريتها في المشي والكتابة والنظر.

بيد أن غبار قريتها يظل عالقاً بذاكرتها، فلا تلبث أن تنظر إلى كل مشهد جديد بعين من تركت خلفها جثةً ووشايةً وحريقاً.