صحفية على هامش الحب

تجلس "زهرة" أمام أرقام هواتفٍ يجب أن تمحوها، ورسائلٍ لا بد من التخلص منها. يغلق الباب الذي يربطها به، وتُلقي بمفاتيحه في بحرٍ أعمق من جراح قلبها. هو، يرتدي نظارته السوداء، يخفي عينيه الباحثتين عنها بين حشودٍ لا تعرفها، متفاخرًا بكونه فارسها الأول. عندما لمحها تخطو باب الجريدة، عرف أنها زهرة شهية، لا بد أن يستنشق عبيرها، لكنه كان وردة شامخة، لم يحن أوان قطفها بعد. تقدمت للعمل في جريدة "الولاء"، لم تكن تدري أن أقلامها ستكون سكين ذبحٍ لها، وأن لحظات الألم ستتوالى كنبضات قلبٍ يحمل ثقل ألف جرح. كانت الفتاة التي سخرت من علامات الأنوثة، واizتذت الأحذية ذات الكعب العالي، واستبدلتها بأخرى، رافضةً أن تنتهي كلماتها بالتاء المربوطة، كأنها دميةٌ تزين واجهات المحال. صحفية على هامش الحب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjYVZv3QZjuP4yjQMLIRydxW7QIp3uAO9KZ61xhfnbm2px28G00y9arOBaCB8rwqTI0jPf2rMBaVKbqm8HmkCmO_21GUtzCF4f5WJMaGlbAUBQlcq6a9TKw-P7yQ-pVW1xD2PN1uvl_-PS3MjHq787sTrIrW9uoQ_n22FL2zdBQo5WEh0YwaZYgtiVVxkU/s320/404.jpg

تجلس "زهرة" أمام أرقام هواتفٍ يجب أن تمحوها، ورسائلٍ لا بد من التخلص منها. يغلق الباب الذي يربطها به، وتُلقي بمفاتيحه في بحرٍ أعمق من جراح قلبها. هو، يرتدي نظارته السوداء، يخفي عينيه الباحثتين عنها بين حشودٍ لا تعرفها، متفاخرًا بكونه فارسها الأول. عندما لمحها تخطو باب الجريدة، عرف أنها زهرة شهية، لا بد أن يستنشق عبيرها، لكنه كان وردة شامخة، لم يحن أوان قطفها بعد. تقدمت للعمل في جريدة "الولاء"، لم تكن تدري أن أقلامها ستكون سكين ذبحٍ لها، وأن لحظات الألم ستتوالى كنبضات قلبٍ يحمل ثقل ألف جرح. كانت الفتاة التي سخرت من علامات الأنوثة، واizتذت الأحذية ذات الكعب العالي، واستبدلتها بأخرى، رافضةً أن تنتهي كلماتها بالتاء المربوطة، كأنها دميةٌ تزين واجهات المحال.

صحفية على هامش الحب رواية 404 120 فبراير 2020 no عزة مصطفى عبد العال كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg0tCEaFy6UhgdBBgXjYJEi6wra_XPJtBfIYxNXPUVLqpiC9JbKcLPWHXmLpRzwPKnBwMgnTJ33cIzkM8gtrk3VtZMzUZkJHLRbYyw7TkutoPYBnu12FsAEesGCRrPuRHEnrYz0jyMm5vc0iou7IUepFCqHKA2FfKehVLNcgiRP_NvYNvvQgbUxtcO7Gkw/s295/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84.jpg

تخطو "زهرة" عتبة جريدة "الولاء" وهي لا تحمل في حقيبتها سوى قلم مدبب الرأس وعقيدة صلبة ورثتها عن أب مكلوم، علّمها أن جراح المرء عورة لا يجوز كشفها أمام المارة. تبدأ حكايتها في هذا العالم الصاخب كفتاة "غلامية" تأنف الترف وتزدري مساحيق التجميل التي تحول النساء إلى دمى صامتة، مفضلةً جفنة الحبر وخشونة الواقع على نعومة الزيف. لكن هذا الدرع الذي تدرعت به لم يمنع سهام القدر من النفاذ إلى قلبها، ففي أروقة الصحافة تلتقي بمبدع خريفها وسارق دهشتها، ذلك الرجل الذي يرتدي نظارته السوداء كقناع يخفي خلفه غرور الفرسان وسطوة المقتنصين. هي التي ظنت أن قلمها سيف يحميها، اكتشفت أن الكلمات قد تنقلب سكاكين تذبح صاحبها ألف مرة، خاصة حين تمتزج مهنة البحث عن المتاعب بعذابات البحث عن الذات في عيون الآخرين.

تتجسد مأساة البطلة في صراعها الدائم بين الهوية التي نحتتها لنفسها كصحفية عصية على الكسر، وبين رقة "الزهرة" الكامنة في اسمها والتي لا تجد سبيلاً للتفتح إلا تحت وطأة الألم. تتذكر وصية والدها التي كانت بمثابة دستور حياتها: «إياكِ أن تظهري ضعفكِ أمام أحد، فالناس ينفرون من أصحاب المشاكل وترق قلوبهم لأصحاب المراتب». هذه القسوة التربوية جعلت من زهرة كائناً يعيش ازدواجية حادة؛ نهار مشرق بالعمل والحماس لمتابعة أخبار النجوم واللاعبين، وليل يضج بصوت انكسارات القلب التي تشبه في دويها الزلازل الصامتة. إنها الضريبة التي تدفعها الأنثى حين تقرر أن تصون كرامتها في مجتمع لا يرى في المرأة سوى "تاء مربوطة" يجب أن تظل أسيرة القيود والتقاليد الجمالية العقيمة.

يتحول المسار السردي نحو مواجهة حتمية مع "ماجد"، ذلك الشاب الذي يمثل طموح الجيل، لكنه يحمل في جعبته حقيقة مرة تصيب زهرة في مقتل. وفي لحظة صدق نادرة، تتحول الكلمات إلى رصاصات طائشة تمزق أوهام السعادة المشتركة. يرفض ماجد أن يقطف زهرته من جذورها ليتركها تذبل في مزهرية أنانيته، مفضلاً أن يمنحها حرية الألم على قيد الزواج المشروط بالشفقة. هذه المواجهة تعيد تعريف مفهوم القوة عند زهرة، فالانكسار أمام الحقيقة ليس ضعفاً، بل هو "مناعة حصينة" تكتسبها الروح لمواجهة غدرات الزمن المقبلة. يذكرنا هذا المشهد بما قاله جلال الدين الرومي عن تحول الألم إلى حزن، ثم إلى صمت، لينتهي بوحدة شاسعة كالمحيطات، وهي الرحلة التي قطعتها زهرة من صخب الجريدة إلى سكون الروح.

تنتهي الحكاية ولا تنتهي المعاناة، بل تتبدل ملامحها لتصبح جزءاً من نسيج الشخصية الصحفية التي تأبى الهزيمة. تظل زهرة تبحث عن ملامح الحب في وجوه الرجال، لكنها لا تجد سوى أصداء لذكرى قديمة تعيد كفن قلبها بالحزن كلما لاح في الأفق طيف "سمير" أو لمعت في الذاكرة كلمات ماجد. إنها رواية عن الفقد الذي يصنع المعجزات، وعن القلم الذي يتحول من أداة لنقل الخبر إلى وسيلة لترميم الشروخ النفسية. علمت زهرة في نهاية المطاف أن الطريق الذي يربطها بالماضي يجب أن تُغلق أبوابه وتُلقى مفاتيحه في بحر لجيّ أعمق من جراحها، لتستمر في الكتابة لا كصحفية على هامش الحب، بل كإنسانة صهرتها التجارب وجعلت منها نصاً لا يقبل التأويل. الدرس هنا ليس في الانتصار، بل في الوقوف بشموخ وسط الركام، ومواصلة الركض في مضمار الحياة دون انتظار تصفيق من أحد.