فرس على جبل

تُنسج أساطيرنا الخاصة في خيوط الزمان، يدركها البعض مبكرًا، ويتلبثها آخرون. قد يثير هذا العمل دهشتك، أو ينفر منك، ولأجل ذلك أعتذر مسبقًا عن أي شعور سلبي قد يتغلغل إلى روحك وأنت تقرأ. حاولتُ، ببساطة، أن أفك شيفرات الأسئلة التي طوقتني في ربع القرن المنصرم. أقف أمامكم، على نفس الأرضية الفسيولوجية، وعلى نفس ساحة الصراع النفسي، لكنني اخترتُ مواجهة نفسي، مشاهدة انعكاسي في مرآة الحقيقة، معانقًا تناقضاتي، أحببتُ ذاتي بكامل عيوبها. لم أخشَ تفسير ما لم يجرؤ أحد على تأويله، فالحب هو الرفيق الأمين للجمال، والطبيعة هي خليلي الأوحد. لا أظن أن أحدًا سيقدر على فهمي، فارجو منك أن تتأمل، أن تحاول الغوص فيما بين السطور، مؤمنًا بأن كل كلمة تم انتقاؤها بعناية فائقة، وأن هذا العمل كُتب بدقة متناهية. فرس على جبل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjRvRbRKKEAXLxPn3w9FdITy8DmR5XExZrJz2jrugt2_K9K2HODQMZv9z4ds_wZAjwH15lUx_MeReeX6svvynH2spOWzTP0UjzVbE7IMpIeS-zM2tc3nfFZfG7WNaPxfCs3VyNz8G6pp6E0Eojbcb0bQYBKstKT6VK-PUNK9vG3O9nmTv1YnK_Tfg4zFmI/s320/365.jpg

تُنسج أساطيرنا الخاصة في خيوط الزمان، يدركها البعض مبكرًا، ويتلبثها آخرون. قد يثير هذا العمل دهشتك، أو ينفر منك، ولأجل ذلك أعتذر مسبقًا عن أي شعور سلبي قد يتغلغل إلى روحك وأنت تقرأ. حاولتُ، ببساطة، أن أفك شيفرات الأسئلة التي طوقتني في ربع القرن المنصرم. أقف أمامكم، على نفس الأرضية الفسيولوجية، وعلى نفس ساحة الصراع النفسي، لكنني اخترتُ مواجهة نفسي، مشاهدة انعكاسي في مرآة الحقيقة، معانقًا تناقضاتي، أحببتُ ذاتي بكامل عيوبها. لم أخشَ تفسير ما لم يجرؤ أحد على تأويله، فالحب هو الرفيق الأمين للجمال، والطبيعة هي خليلي الأوحد. لا أظن أن أحدًا سيقدر على فهمي، فارجو منك أن تتأمل، أن تحاول الغوص فيما بين السطور، مؤمنًا بأن كل كلمة تم انتقاؤها بعناية فائقة، وأن هذا العمل كُتب بدقة متناهية.

فرس على جبل رواية 365 64 ديسمبر 2019 yes 201091985809 كنان سمير حاتم كاتب سوري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiIcF4n9bNWBeYgSMti73qFeuom3cRb_nxkAXYBNfoXEC3sxaHKnR1hwKFa1BHGlbxyEvTzvBeKOmuMVS5lXhoLsyqiGSGptCKhWZf0ruXvgV2izv67SUXbAqRGxdOdjjlpDuUO77xU0Gt7mHKJlyU15YiFx8Qijp0yv3m0REQeqx8LXcQO4uTdUI84IoM/s295/%D9%83%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%AD%D8%A7%D8%AA%D9%85.jpg

سمير حاتم، في روايته "فرس على جبل"، لا يكتب مجرد حكاية، بل ينصب مرآة صقيلة أمام القارئ، مراهناً على أن المواجهة مع الذات هي أقسى أنواع الحروب. تبدأ الرواية بصرخة إهداء عدمية، تعلن بوضوح أن الكاتب لم يجد في محيطه من يستحق هذا الأثر، كأنه يقطع حبال الود مع العالم الخارجي ليتفرغ لبناء أسطورته الشخصية التي استغرقت من عمره ربع قرن من التساؤل والقلق. النص ينساب كالنهر المضطرب، يمزج بين الفيزيولوجيا البشرية وبين الصراع النفسي العنيف، محاولاً تفسير مالم يجرؤ أحد على لمسه، حيث يتحول البطل "جبل" إلى رمز للرجل المهزوم في لحظات اللقاء والفراق على حد سواء. إنها قصة البحث عن "الفرس" الضائعة، تلك الأنثى التي تمثل الملجأ والوطن والجرح في آن واحد، والتي تتحول علاقتها بالبطل من شغف جسدي سادي إلى حالة من "الفطام" الروحي الذي يترك خلفه ندبات لا تُمحى.

يتجلى المشهد الأكثر كثافة في الرواية حين يتوقف الكون عن الحراك، وتزهر ورود "شب الليل" في أركان الغرفة خلال اثنتين وسبعين ساعة من العزلة والالتحام، حيث يرتدي "جبل" قناع آخيل، البطل الإغريقي، ليعبر عن طاقة الخلق والدمار الكامنة في علاقة الرجل بالمرأة. هذه الصورة تذكرنا بما قاله الفيلسوف نيتشه عن ضرورة مواجهة الهاوية لكي تشكّل الإنسان؛ فالبطل هنا لا يهرب من تناقضاته أو سيئاته، بل يحبها ويعانقها، معتبراً أن الجمال الحقيقي يكمن في الوحشية الطبيعية لاندماج الأرواح. الكلمات في هذا العمل منتقاة بعناية جراح، تطلب من القارئ ألا يمر عليها مرور العابرين السطحيين، بل أن يغوص في "ما خفي بين السطور" ليستوعب تلك اللعنة التي يصفها الكاتب بـ "لعنة القضيب" أو "لعنة المعطي"، وهي فلسفة الغياب التي تتعاظم كلما اقترب المحبون من التحقق الكامل.

ينتقل النص من صخب الالتحام الجسدي إلى سكون الفراق القسري، حيث يقرر "الفطام" نهاية القصة وبداية رحلة التيه، فيصبح "جبل" ملعوناً بوحدته، محكوماً عليه بالبحث الدائم عن فرسه في وجوه الآخرين دون جدوى. الرواية تطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما يريده الرجل حقاً، لتجيب بأنه لا يبحث إلا عن ملجأ آمن يحتويه، لكنه كلما وجد ذلك الملجأ، هدمته رياح التغيير أو رغبة النفس في الانعتاق. الفرس هنا ليست مجرد امرأة، بل هي الذاكرة التي ترفض أن تموت، وهي الندبة التي تجعل من الاعتكاف عن الحياة الاجتماعية ضرورة للبقاء، ريثما يتم التصالح مع الجرح القديم. اللغة عند سمير حاتم لا تكتفي بنقل الحدث، بل تشكل حالة شعورية تجعل القارئ يشعر بالثقل الوجودي لكل كلمة، وبأن الهزيمة التي يتحدث عنها هي قدر إنساني مشترك لا يفلت منه إلا من يمتلك الجرأة على الوقوف أمام مرآة الحقيقة وتعرية روحه من كل الزيف الاجتماعي.

تختتم الرواية رحلتها بترك "جبل" وحيداً، يواجه قدره كرجل يبحث عن معنى في عالم صامت، مؤكداً أن الفوارق بين البشر تذوب أمام الصراع النفسي الموحد، وأن الفهم الحقيقي لا يأتي إلا بالهدوء والتمعن في تفاصيل الألم الصغير. إنها دعوة للتأمل في مفهوم "الخلق" الذي لا يحدث إلا في لحظات السكون المطلق، وفي قيمة "الندبة" التي تظل شاهدة على أننا عشنا يوماً ما تجربة حقيقية، أحرقتنا وأعادت صهرنا من جديد. النص في مجمله هو رحلة من الخارج إلى الداخل، ومن الجسد إلى الروح، ومن الفوضى إلى الانضباط الفني الذي يجعل من الحكاية أسطورة شخصية لكل من يقرأها، حيث يتحول "جبل" من شخصية ورقية إلى رمز لكل إنسان يحاول فهم سر وجوده في هذا الربع قرن من الزمن، محاولاً العثور على تفسيرات لأسئلة لا إجابة لها إلا في الصمت.