ذيل الجيل المتناقص: حين يفشل النظام في توظيف شبابه

...
Cover Image
ذيل الجيل المتناقص: حين يفشل النظام في توظيف شبابه

مليون شاب بلا عمل ولا تعليم ولا تدريب — هذا ليس رقماً إحصائياً باردًا، بل هو صورة لجيل وقف عند باب المستقبل فلم يجد من يفتح له. تقول الأرقام الصادرة عن هيئات بريطانية مستقلة إن المملكة المتحدة (United Kingdom) تسجّل اليوم أعلى معدل للشباب خارج دائرة التعليم والعمل والتدريب —

مليون شاب بلا عمل ولا تعليم ولا تدريب — هذا ليس رقماً إحصائياً باردًا، بل هو صورة لجيل وقف عند باب المستقبل فلم يجد من يفتح له. تقول الأرقام الصادرة عن هيئات بريطانية مستقلة إن المملكة المتحدة (United Kingdom) تسجّل اليوم أعلى معدل للشباب خارج دائرة التعليم والعمل والتدريب — المعروفين اختصاراً بـ NEET — منذ أكثر من اثني عشر عاماً. ليس الأمر أزمة فردية يعانيها شباب لم يبذلوا جهداً كافياً، بل هو فشل بنيوي متراكم في منظومة تعليمية واقتصادية أُرهقت ثم تركت من في حضانتها يغرقون ببطء.


الأرقام التي لا تكذب

التقرير الصادر حديثاً عن هيئة مستقلة متخصصة في سوق العمل البريطاني يكشف أن عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين، ممن لا يدرسون ولا يعملون ولا يتلقون أي تدريب مهني، تجاوز المليون للمرة الأولى منذ عام 2012. الرقم وحده مقلق، غير أن السياق أشد إثارة للقلق: فهذا الارتفاع جاء في مرحلة ما بعد جائحة (Pandemic) كوفيد-19، حين راهن كثيرون على أن أسواق العمل ستنتعش وتمتص الأعداد الكبيرة من الباحثين عن فرص.

الانتعاش حدث فعلاً في قطاعات عدة، بيد أنه لم يصل إلى هذه الشريحة بالذات. ثمة قطيعة واضحة بين ما تنتجه مؤسسات التعليم والتدريب وما يطلبه سوق العمل فعلاً، وهي قطيعة لم تنشأ بين عشية وضحاها، بل تراكمت على مدى عقدين من السياسات التعليمية المتذبذبة وقرارات التمويل المتقلبة.


بنية متصدعة قبل أن تُختبر

النظام التعليمي في المملكة المتحدة لم يُصمَّم أصلاً ليستوعب التحولات المتسارعة في سوق العمل. مسارات التأهيل المهني (Vocational Training) ظلت دون المستوى المطلوب لسنوات، بينما تمركزت الموارد والاهتمام حول المسارات الأكاديمية التقليدية. النتيجة أن كثيراً من الشباب أنهوا مراحل دراستهم بشهادات لا تتطابق مع متطلبات السوق، أو تركوا المدرسة مبكراً دون مهارة تؤهلهم لدخول أي مسار مهني واضح.

يضاف إلى ذلك أن خدمات الصحة النفسية (Mental Health Services) للشباب تعاني من ضغط متصاعد؛ إذ تُظهر إحصاءات هيئة الصحة الوطنية البريطانية (NHS) ارتفاعاً ملحوظاً في طلبات الدعم النفسي من الفئة العمرية ذاتها. وهذا الارتباط بين الإقصاء من سوق العمل وتدهور الصحة النفسية ليس تخمينًا، بل رصده باحثون في علم الاجتماع الاقتصادي (Economic Sociology) بوصفه حلقة مفرغة: الشعور بالإقصاء يُضعف القدرة على الانخراط، والضعف يعمّق الإقصاء.


وجوه خلف الرقم

تستوقفك شهادات الشباب المنشورة في التغطيات الصحفية لهذا التقرير أكثر مما تستوقفك جداوله. شاب في الثانية والعشرين أرسل أكثر من مئتي طلب توظيف خلال ثمانية أشهر دون أن يتلقى رداً واحداً. فتاة تركت برنامج تدريب مهني بعد ثلاثة أشهر لأن مواصلاتها إلى مركز التدريب تكلّفها ما لا تستطيع توفيره. آخر أحجم عن التقدم لأي وظيفة لأنه لم يثق بقدرته على اجتياز مقابلة عمل — وهو ثمرة طبيعية لسنوات من تراجع ثقة الشباب بأنفسهم في مدارس يسودها القلق لا الطموح.

هذه الوجوه تُعيد تأطير الأزمة في سياقها الصحيح: ليست كسلاً جماعياً، ولا عزوفاً عن المسؤولية، بل هي في معظمها نتاج نقص حاد في دعم موجّه يصل إلى من يحتاجه فعلاً، لا إلى من يعرف طريقه إليه أصلاً.


فجوة الطبقة التي لا يُعترف بها

ما يغيب عن كثير من النقاشات الرسمية حول هذه الظاهرة هو البُعد الطبقي الصريح. الشباب الأكثر عرضة للوقوع في فئة NEET ليسوا موزعين بالتساوي عبر المجتمع؛ فالبيانات تشير باتساق إلى أن الأحياء الأفقر، ومجتمعات الأقليات العرقية (Ethnic Minorities)، والشباب الذين نشأوا في نظام رعاية الدولة (Care System) يمثلون نسبة غير متناسبة من هذا المليون.

هذا يعني أن الحلول الموحّدة لن تُجدي. برامج التوظيف العامة التي تُطلق بتصريحات رنانة ثم تُدار بميزانيات هزيلة لا تلامس الجذر الحقيقي للمشكلة. ما تحتاجه هذه الفئات تحديداً هو تدخّل مبكر ومتخصص يبدأ قبل مرحلة الانقطاع، لا بعدها، ويشمل دعماً نفسياً واجتماعياً بالتوازي مع التأهيل المهني.


التكنولوجيا: فرصة أم عامل إضافي للإقصاء؟

لا يمكن تناول أزمة توظيف الشباب اليوم دون الحديث عن التحولات التقنية المتسارعة. الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) وأتمتة العمليات (Automation) يُعيدان رسم خريطة المهن المطلوبة بوتيرة لم يسبق لها نظير. المهن الروتينية التي كانت تُشكّل نقطة دخول طبيعية لكثير من الشباب — إدخال البيانات، بعض أعمال التجزئة، الوظائف الإدارية المتكررة — تتقلص بوضوح أمام موجة الأتمتة.

غير أن التكنولوجيا في الوقت ذاته تفتح مسارات جديدة لمن يملك الأدوات للولوج إليها. التعليم الرقمي (Digital Education)، ومنصات التدريب عن بُعد، وسوق العمل الحر (Freelance Market) العالمي — كل ذلك يمثّل فرصاً حقيقية، لكنها تظل مرهونة بشرطين أساسيين: الوصول إلى بنية تحتية رقمية مناسبة، ومستوى معيّن من الاستقرار المعيشي يتيح الاستثمار في التعلم. وهذان الشرطان يغيبان تحديداً عن الفئات الأكثر هشاشة.


ماذا يعني أن تُهدر طاقة جيل كامل؟

السؤال الذي يطرحه هذا التقرير في جوهره ليس اقتصادياً فحسب — وإن كانت الكلفة الاقتصادية لجيل متوقف عن الإنتاج ضخمة ومُوثَّقة. السؤال أعمق: ما الذي يحدث لمجتمع يُنتج بشكل منهجي شباباً يشعرون بأن أبواب الحياة موصدة أمامهم منذ البداية؟ التاريخ الاجتماعي يُجيب بصور متعددة، بعضها مقلق جداً — من ارتفاع معدلات الجريمة إلى تصاعد الخطاب الاحتجاجي خارج القنوات المدنية المعهودة.

الأنظمة التي تفشل في استيعاب شبابها لا تدفع الثمن فورياً، بل تدفعه على دفعات ممتدة تتراكم حتى يصعب احتواؤها. المملكة المتحدة اليوم أمام اختيار حقيقي: إما إصلاح جاد يبدأ من إعادة تصميم منظومة التعليم والتدريب بما يتوافق مع سوق عمل القرن الحادي والعشرين، أو الاكتفاء بالخطب وبرامج الإسعاف الأول التي تعالج الأعراض وتترك المرض يتمدد.

المليون الذين خسرناهم من الإحصاء ليسوا ظلاً للجيل — هم الجيل نفسه. والسؤال الذي ينبغي أن يؤرق صانعي القرار هو: كم مليوناً آخر يسير في الطريق ذاته؟


المصدر: https://www.bbc.com/news/articles/cy026x9jpd0o?atmedium=RSS&atcampaign=rss