حين تتكلم العلوم بلسان الرواية

... مشاهدة
Cover Image
حين تتكلم العلوم بلسان الرواية

يمكن للعالِم أن يقضي عشر سنوات في مختبره، يُجري آلاف التجارب، ويُنتج بيانات تكفي لملء مكتبة، ثم يُنشر بحثه في مجلة متخصصة — ولا يقرأه خارج دائرته البحثية الضيقة سوى أصابع اليد. ليس لأن بحثه عديم القيمة، بل لأنه كُتب بلغة تُخاطب المتخصصين وحدهم، بلغة الجداول والمعادلات والمصطلحات التقنية التي

يمكن للعالِم أن يقضي عشر سنوات في مختبره، يُجري آلاف التجارب، ويُنتج بيانات تكفي لملء مكتبة، ثم يُنشر بحثه في مجلة متخصصة — ولا يقرأه خارج دائرته البحثية الضيقة سوى أصابع اليد. ليس لأن بحثه عديم القيمة، بل لأنه كُتب بلغة تُخاطب المتخصصين وحدهم، بلغة الجداول والمعادلات والمصطلحات التقنية التي تصدّ غير المُدرَّب عليها كجدار زجاجي شفاف — تُرى من خلفه الأفكار لكن لا يمكن الوصول إليها.

هذه الهوّة بين الاكتشاف العلمي وأثره على الحياة العامة ليست حتمية. هي نتاج عادة متجذّرة في الأوساط الأكاديمية، مفادها أن الدقة العلمية والوضوح الشعبي لا يسكنان في بيت واحد. غير أن تياراً نامياً وسط الباحثين والمؤسسات العلمية يرفض هذه القسمة — ويُقدّم السرد الأدبي (literary narrative) لا بوصفه تبسيطاً مُهيناً للعلم، بل بوصفه أداة لإيصاله إلى من يتأثر به أكثر من غيره: الإنسان العادي.


اسم البحث كفاتحة رواية

يبدو السؤال بسيطاً حد السذاجة: لماذا تحمل الأبحاث العلمية أسماء جافة لا تُثير أي فضول؟ عنوان من قبيل "دراسة مقارنة لمعدلات الانبعاثات الكربونية في النظم البيئية الساحلية في ظل تغيّر درجات الحرارة" يحمل كل المعلومات التصنيفية، لكنه لا يُخبرك بشيء عن الدراما الحقيقية الكامنة خلفه — عن الشُّعاب المرجانية (coral reefs) التي تحتضر بصمت في أعماق المحيط، وعن الصيادين الذين فقدوا مصدر رزقهم، وعن الأطفال الذين سيرثون بحراً مختلفاً.

بعض الباحثين بدأوا يُجرّبون مقاربة مختلفة. حين يُصيغ العالِم اسم مشروعه وهو يتخيّل الشخصية المحورية في قصة — هل هي الشعبة المرجانية؟ هل هو الصياد؟ هل هو الطفل في الثلاثين سنة القادمة؟ — فإنه يُرغَم تلقائياً على الإجابة عن سؤال جوهري كثيراً ما يُؤجَّل في المنهجية التقليدية: لمن يخدم هذا البحث؟ وما الأثر الفعلي الذي يسعى إلى إحداثه؟

هذا ليس تلاعباً بالكلمات. هو تحوّل في نقطة الانطلاق — من "ما الذي نقيسه" إلى "ما الذي نريد تغييره". والفارق بين السؤالين أكبر مما يبدو.


أورويل لم يكن يتحدث عن الأدب وحده

جورج أورويل

نسبت الفقرة الأصلية لجورج أورويل (George Orwell) قولاً مُعيّناً حول القصة والنافذة — والأصح أن نستدعيه بصورة مختلفة. ما يعنينا من أورويل ليس اقتباساً بعينه، بل مبدأ موثّق في مقاله الشهير "لماذا أكتب" (Why I Write): أن الكتابة الجيدة لا تخدم الجماليات فحسب، بل تُقنع، وتُغيّر، وتدفع الناس نحو فعل ما كانوا يتجنبونه. حين طبّق أورويل هذا المبدأ على السياسة في "مزرعة الحيوانات" (Animal Farm)، فعل ما عجز عنه مئات المقالات النظرية — أوصل فكرة معقدة إلى ملايين القرّاء بلغة لا تحتاج إلى شرح.

العلماء الذين يستعيرون هذا المنطق لا يُريدون تحويل الأبحاث إلى روايات. يريدون شيئاً أدق: أن يُضمّنوا في طريقة تقديم نتائجهم بنية سردية تُجيب عن الأسئلة التي يطرحها أي قارئ عادي بشكل غريزي — من يتأثر؟ كيف؟ ولماذا يهمني هذا الآن؟

فيكتور هوغو (Victor Hugo) لم يكتب "البؤساء" (Les Misérables) ليشرح ظروف الفقر في فرنسا القرن التاسع عشر بالأرقام، بل ليجعل القارئ يعيشها في جسد جان فالجان (Jean Valjean). الفارق بين الأسلوبين ليس جمالياً وحسب — هو فارق في مدى الوصول وعمق الأثر.


العلم لا يُترجَم، بل يُرسم من جديد

ثمة مفهوم خاطئ شائع حول ما يعنيه توظيف السرد في العلوم: أنه يعني تبسيط المحتوى العلمي، أو اختزاله، أو تجميله على حساب دقته. بيد أن الممارسة الفعلية تُظهر عكس ذلك تماماً. الباحثة عالية الشرفي (Alia Al-Sharafi) في مجال التواصل العلمي (science communication) تُميّز بين مستويين: الترجمة العلمية التي تُحوّل المصطلحات إلى أبسط منها، والسرد العلمي الذي يُبني سياقاً إنسانياً يجعل الفكرة ذات صلة بالمتلقي — دون أن يتنازل عن الجوهر.

المشروع البحثي حول فيروس كورونا (COVID-19) وآليات انتقاله لم يُصبح مفهوماً للعامة حين نُشر في المجلات المتخصصة. أصبح مفهوماً حين بدأ الباحثون يتحدثون عنه بلغة القصة: فرد مصاب في حفلة عيد ميلاد، قطرات هواء لا تُرى، ومدينة بأكملها تتغيّر سلوكها في غضون أسابيع. الأرقام كانت موجودة قبل ذلك — لكن القصة هي التي جعلت الناس يُغلقون أبوابهم.


مستقبل يقرأ البحث كما يقرأ الرواية

التساؤل الحقيقي الذي تطرحه هذه المقاربة لا يتعلق بتقنيات الكتابة بل بثقافة المؤسسة البحثية برمّتها. هل تُقدّر الجامعات والمجلات العلمية الوضوح السردي كما تُقدّر الدقة المنهجية؟ هل يُكافأ الباحث الذي يكتب بلغة يفهمها المواطن بالقدر ذاته الذي يُكافأ به من يكتب بلغة يفهمها زميله فقط؟

الإجابة اليوم، في الغالب، لا. لكن ثمة تحوّلات لافتة تُلمح إلى مسار مختلف. مجلة "نيتشر" (Nature) بدأت تُخصص مساحات للكتابة العلمية الأدبية. برامج دكتوراه في جامعات أوروبية وأمريكية باتت تُدرّج مناهج "التواصل العلمي" (science communication) ضمن متطلبات الإعداد الأكاديمي. وتتزايد الموارد المخصصة لتدريب العلماء على الحديث أمام الجمهور — لا بلغة المحاضرة بل بلغة الحوار.

هل سيصل يوم يجلس فيه الباحث أمام ورقة بيضاء ويسأل نفسه: ما القصة التي أريد أن يحملها هذا البحث؟ — قبل أن يسأل: ما المتغيّرات التي سأقيسها؟ ربما هذا هو السؤال الأصدق عن مستقبل العلوم في علاقتها بالإنسان.

المصدر: https://www.nature.com/articles/d41586-026-01392-0