تحت ظلال الهوية: حين تُصبح الثنائيات خرائطَ للعالم

... مشاهدة
Cover Image
تحت ظلال الهوية: حين تُصبح الثنائيات خرائطَ للعالم

قبل أن تكون السياسة الدولية علماً له مناهجه ومصطلحاته، كانت حكاية أقدم من ذلك بكثير — حكاية "نحن" و"هم". منذ أن رسم الإنسان أول خريطة في ذهنه، قسّم العالم إلى ما يعرفه وما يجهله، إلى ما يثق به وما يخشاه. هذه القسمة البدائية لم تختفِ مع تقدم الحضارة، بل تطوّرت

قبل أن تكون السياسة الدولية علماً له مناهجه ومصطلحاته، كانت حكاية أقدم من ذلك بكثير — حكاية "نحن" و"هم". منذ أن رسم الإنسان أول خريطة في ذهنه، قسّم العالم إلى ما يعرفه وما يجهله، إلى ما يثق به وما يخشاه. هذه القسمة البدائية لم تختفِ مع تقدم الحضارة، بل تطوّرت وتعقّدت، ولبست ثياباً أكثر رسمية: أيديولوجيات، تحالفات، خطابات سياسية، وأطر قانونية دولية. غير أن الجوهر بقي كما كان — مجموعة من الثنائيات المتعارضة تعمل كمحرّك خفيّ لكثير مما يجري على سطح الأحداث.

الثنائية السياسية ليست مجرد أداة تحليلية يستخدمها الأكاديميون في أوراقهم البحثية. هي آلية حيّة تعمل في الخطاب الإعلامي، في القرارات الدبلوماسية، وفي طريقة تصوّر الشعوب لأنفسها وللآخر. وفهم كيف تعمل هذه الآلية — وأين تكذب — ضروري لأي قراءة جادة في السياسة الدولية اليوم.


الثنائية بوصفها بناءً، لا حقيقة

الخطأ الأكثر شيوعاً في التعامل مع الثنائيات السياسية هو معاملتها كحقائق طبيعية قائمة بذاتها، لا كبنى مُصطنعة تخدم أغراضاً بعينها. حين يُقدَّم الصراع على أنه بين "الديمقراطية والسلطوية"، أو "الغرب والإسلام"، أو "الحرية والاستبداد"، فإن هذه الصياغة ذاتها تنطوي على اختيارات مسبقة: ما الذي يُدرج في كل خانة، ومن يملك حق هذا الإدراج.

 إدوارد سعيد 

المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (Edward Said) كشف هذه الآلية بجلاء في كتابه "الاستشراق" (Orientalism)، حين أظهر أن صورة "الشرق" التي رسمها الغرب لم تكن وصفاً للواقع بل إنتاجاً له — إنتاجاً يخدم علاقات القوة ويُبرّرها. الشرق في هذه الصورة كسول، عاطفي، غير عقلاني؛ والغرب بالمقابل عقلاني، منظّم، متقدم. هذه الثنائية لم تكن مجرد أحكام مسبقة ساذجة، بل كانت بنية معرفية تُضفي الشرعية على الهيمنة الاستعمارية.

بيد أن هذه الآلية لا تقتصر على الاستشراق القديم. هي تعمل بأشكال معاصرة مختلفة في كل لحظة يُصاغ فيها خطاب سياسي يحتاج إلى عدوّ واضح المعالم.


أمريكا وإيران: نموذج حيّ للثنائية المُدارة

العلاقة الأمريكية-الإيرانية منذ عام 1979 مختبر غنيّ لدراسة كيف تعمل الثنائيات في السياسة الفعلية. كلا الطرفين يحتاج الآخر — لا بمعنى الحاجة الإيجابية، بل بمعنى أن هوية كل منهما تتشكل جزئياً من خلال رسم حدود الطرف الآخر.

واشنطن تُقدّم طهران كدولة مارقة (rogue state) تهدد الاستقرار الإقليمي وتسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. هذا التقديم يمنح السياسة الأمريكية في المنطقة شرعيتها الأخلاقية — فهي ليست مصالح استراتيجية وحسب، بل دفاع عن النظام الدولي والحرية. طهران بدورها تُقدّم واشنطن كإمبراطورية استعمارية تسعى لتفكيك الدول المستقلة وإخضاع شعوبها. هذا التأطير يُعبّئ الرأي العام الداخلي ويمنح النظام الإيراني شرعية المقاومة.

والمفارقة أن كلا الخطابين يحتاج الآخر لكي يظل فعّالاً. تصعيد التوتر من طرف يُعزّز رواية الطرف الآخر. وحين تلوح في الأفق بوادر انفراج — كما حدث إبان الاتفاق النووي (JCPOA) عام 2015 — تتحرك قوى داخل كلا النظامين لتعيق هذا الانفراج، لأن التسوية تُهدّد الثنائية التي تغذيها.


الثنائية تصنع الإنسان قبل أن تصنع السياسة

ما يجعل هذا الموضوع أكثر من مجرد تحليل أكاديمي هو أن الثنائيات السياسية لا تبقى على مستوى القرارات والخطابات الرسمية — تنزل إلى الوجدان الجمعي وتُشكّله. الشاب الإيراني الذي نشأ يسمع عبارة "الشيطان الأكبر" (Great Satan) لوصف الولايات المتحدة لا يُعالج هذه العبارة فكرياً وحسب، بل يُدمجها في صورته عن العالم. والأمريكي الذي تربّى على صور الرهائن في السفارة عام 1979 وحرائق الأعلام يحمل بدوره صورة راسخة عن إيران يصعب محوها بمجرد تغيير السياسات.

هذا ما يجعل الثنائيات خطرة على نحو خاص: أنها تعمل على مستويين في آنٍ واحد. على المستوى السياسي، تُنتج قرارات وتحالفات وصراعات. على المستوى النفسي-الثقافي، تُعيد تشكيل تصوّر الأفراد لأنفسهم وللآخر، وتجعل التعاطف مع "الطرف الآخر" فعلاً مكلفاً اجتماعياً في كلا المجتمعين.

المقارنة مع الثنائية الأمريكية-السوفيتية (Soviet) خلال الحرب الباردة (Cold War) مُفيدة هنا. فرغم أن الخطاب كان يُقدّم الصراع باعتباره حتمياً وأزلياً، إلا أن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أظهر أن الثنائية كانت بناءً سياسياً قابلاً للتفكك، لا قانوناً طبيعياً. غير أن الفراغ الذي خلّفه هذا الانهيار أفضى سريعاً إلى إنتاج ثنائيات جديدة — "الغرب والإرهاب"، "الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية" — كأن النظام الدولي لا يستطيع العمل بلا خصم واضح المعالم.


حين تتكسّر الثنائيات على صخرة الواقع

ثمة لحظات تكشف فيها الثنائيات هشاشتها البنيوية. أبرز هذه اللحظات حين تضطر دولتان "متعاديتان" بحكم الثنائية إلى التعاون أمام تهديد مشترك. التنسيق الأمريكي الإيراني غير المعلن — أو الضمني — ضدّ تنظيم داعش (ISIS) في العراق بين عامَي 2014 و2017 كان نموذجاً صارخاً على ذلك. المصالح المشتركة لم تُلغِ الخطاب الثنائي، لكنها كشفت أنه لا يعكس الواقع بأمانة.

الصين (China) وروسيا (Russia) يمثّلان اليوم نموذجاً أكثر تعقيداً. فالعلاقة بين البلدين لا تندرج بسهولة تحت أي من الثنائيات التقليدية — ليست تحالفاً أيديولوجياً كلاسيكياً، ولا شراكة استراتيجية مستقرة، بل تعاوناً براغماتياً (pragmatic) تحكمه المصالح المتقاطعة أكثر مما تحكمه أي رؤية مشتركة للعالم. هذا يُشير إلى أن النظام الدولي يتحرك اليوم نحو تعددية قطبية (multipolarity) لا تنسجم بسهولة مع الثنائيات الصارمة التي ورثناها من القرن العشرين.


خرائط جديدة لعالم لا يُشبه قديمة

السؤال الذي تطرحه كل هذه المعطيات ليس هل ستستمر الثنائيات — فهي ستستمر لأنها مدمجة في طريقة عمل الخطاب السياسي وصناعة الشرعية. السؤال الأجدى هو: كيف نقرأها بوعي نقدي يمنعها من احتكار تفسير الواقع؟

التعددية الثقافية الحقيقية لا تعني محو الاختلافات بل القدرة على رؤية الاختلاف دون اختزاله في تهديد وجودي. والسياسة الدولية الناضجة ليست تلك التي تتخلص من التنافس — فالتنافس حقيقي وجزء لا يُنكر من العلاقات بين الدول — بل تلك التي تتعامل مع هذا التنافس دون الحاجة إلى رسم الخصم كشيطان لا يستحق الفهم.

الثنائيات أدوات. وكأي أداة، خطرها لا يكمن في وجودها بل في اعتقادنا أنها الحقيقة ذاتها.

المصدر المادة: http://studies.aljazeera.net/ar/article/6514