تذكرة سفر

صباحٌ ربيعيٌّ يسفحُ أشعتَهُ على مقهىً يطلُّ على طريقٍ تتراقصُ فيهِ نسماتُ الهواءِ العليل. على طاولةٍ بعيدة، يجلسُ رجلٌ وامرأة، تتصاعدُ بينهما همساتُ ترددٍ وقلق. يبدو على وجهِها أثرُ سعيٍ حثيثٍ لمعرفةِ سرٍّ يؤرقُ روحها، سرٌّ إن لم تكشفهُ اليوم، ستقضي ما تبقى من عمرها نادمًا على صمتها. هو، ذو العينينِ الحادتين، يلمحُ ارتباكها خلفَ رموشها الطويلة، وتلعبُ أصابعُها بشرشفِ الطاولةِ في انتظارِ رده. هدوءٌ يطمئنُ أعماقها، لكنه يثيرُ في داخلها عواصفَ لم تعهدها. تتلاقى نظراتهما؛ هي تخشى أن تنكشفَ مشاعرُها، وهو يراها في لحظةٍ تتجلى فيها هشاشتها الإنسانية. تبدو هذه اللحظة، كمولدِ قصةٍ نسجت خيوطها الأولى في صقيعِ الخوفِ ودفءِ الشوق. تذكرة سفر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjCF9Mhg3_SNXATxeCsoBs6qcie48J4kYVdnvfobxqjSzBygsRXMZeih0m3iqe-JGZkLuEut4McTj6K7XRypShyUxgr275fiFMlD-wdgmvYQ61m8fdxgWMo4QitXYaKmXOAXMcF-WiKkkdYamnn3gKxhrM9BzONEeFoFWsIuKiNCtpNAzouH6wauB_oxVk/s320/161.jpg

صباحٌ ربيعيٌّ يسفحُ أشعتَهُ على مقهىً يطلُّ على طريقٍ تتراقصُ فيهِ نسماتُ الهواءِ العليل. على طاولةٍ بعيدة، يجلسُ رجلٌ وامرأة، تتصاعدُ بينهما همساتُ ترددٍ وقلق. يبدو على وجهِها أثرُ سعيٍ حثيثٍ لمعرفةِ سرٍّ يؤرقُ روحها، سرٌّ إن لم تكشفهُ اليوم، ستقضي ما تبقى من عمرها نادمًا على صمتها. هو، ذو العينينِ الحادتين، يلمحُ ارتباكها خلفَ رموشها الطويلة، وتلعبُ أصابعُها بشرشفِ الطاولةِ في انتظارِ رده. هدوءٌ يطمئنُ أعماقها، لكنه يثيرُ في داخلها عواصفَ لم تعهدها. تتلاقى نظراتهما؛ هي تخشى أن تنكشفَ مشاعرُها، وهو يراها في لحظةٍ تتجلى فيها هشاشتها الإنسانية. تبدو هذه اللحظة، كمولدِ قصةٍ نسجت خيوطها الأولى في صقيعِ الخوفِ ودفءِ الشوق.

تذكرة سفر مجموعة قصصية 161 188 ديسمبر 2018 yes 201091985809 منى الليلي كاتبة إماراتية

تذاكر السفر التي تقدمها منى الليلي في مجموعتها القصصية ليست مجرد أوراق لعبور الحدود الجغرافية، بل هي صكوك غفران أو إدانات مؤجلة للعبور نحو ضفاف الذات المنهكة. تبدأ الحكايات من المقاهي المنزوية، حيث يرتشف الأبطال خيباتهم مع القهوة الساخنة، وتتشابك الخيوط بين نظرات العيون العسلية المترددة وبين صرامة الواقع الذي لا يرحم. تستحضر الكاتبة في نصوصها روح "أنطوان تشيخوف" في التقاط اللحظات الإنسانية الهشة، حيث الحوار ليس مجرد تبادل للكلمات، بل هو معركة صامتة بين رغبة في البوح وخوف من الفقد. تبدو الشخصيات وكأنها تتحرك فوق أرض مثقوبة، تتعثر في ماضيها وتتحسس طريقها نحو مستقبل مشوب بالريبة، بينما يظل النسيم الربيعي وزقزقة العصافير مجرد خلفية سينمائية ساخرة تتناقض مع العواصف التي تضرب الأضلاع من الداخل.

المرأة في هذه القصص تقف دائماً عند مفترق طرق، تحاول استعادة صوتها وسط ضجيج التوقعات الاجتماعية وظلال الرجال الحاضرين بغيابهم أو القاسيين بحضورهم. نجد "إيمان" تعبث بخصلات شعرها الذهبي في توتر فطري، تلخص به ارتباك الكائن أمام الحقيقة، في حين يراقبها "منذر" بعيون حادة تخترق قشرة الحياء لتصل إلى جوهر الوجع. إنها رحلة في سيكولوجية العلاقات الإنسانية، حيث يتحول الحب من ملاذ وردي إلى سجن من الالتزامات، وحيث تُبذل التضحيات من أجل الأطفال في محاولة لترميم ما أفسدته قرارات القلب المتسرعة. الكاتبة تنحت مشاهدها بدقة، فلا تترك شاردة من حركة الأصابع على شرشف الطاولة إلا وجعلت منها دليلاً على اضطراب الروح، محولةً العادي واليومي إلى طقس جنائزي يودع الأوهام القديمة.

تنتقل السردية ببراعة من ضيق المقاهي إلى اتساع الخيانة والندم، حيث يكتشف الرجل أن "ليس كل ما يلمع ذهباً"، وهي حكمة لا تأتي إلا بعد أن تدوسه القسوة بكعب حذائها المدبب. يظهر الانفصال في هذه القصص كفعل جراحي لا ينهي الألم، بل يحوله إلى اتصال قسري تفرضه ظروف المعيشة والمسؤوليات الأبوية. الزينة التي تُعلق والموسيقى التي تُصدح في زيجات جديدة لا تمحو الذكريات التي تنسكب كأمطار الشتاء، بل تزيد من حدة المقارنة بين عقل يختار ببرود وبين قلب أُدمي حتى لفظ أنفاسه. تتجلى في هذه المقاطع مأساة "الإنسان المعلق"، ذلك الذي يعيش حياة جديدة بينما لا تزال أشباح حياته القديمة تطارده عبر الهاتف، متمثلة في طلبات لا تنتهي وسعياً محموماً وراء تنكيد العيش.

في زوايا أخرى من الكتاب، يبرز صراع من نوع مختلف، صراع مع الغربة والاحتياج المادي كما في مشهد سيدة "طومسون" والمطالبة بالإيجار، ليمتزج الخوف من المجهول بالخوف من الآخر الضخم الذي يقتحم العزلة. هنا تلتقي نظرات الحب بالخوف في مزيج مربك، حيث يتحول الجسد إلى ساحة للمقاومة والتحرر، وحيث تُقال "أكرهك" بينما اليد تضرب الصدر الذي يمنح الأمان في آن واحد. الرائحة تظل هي العطر الذي يستحضر الذكريات الموجعة والجميلة، لتمحو المسافات بين الأمس واليوم في لحظة استكانة فوق أريكة الانتظار. منى الليلي لا تكتب قصصاً للمتعة العابرة، بل تصيغ تذاكر سفر لرحلة لا عودة منها إلى البراءة الأولى، رحلة تكتشف فيها النفس أن أقصى درجات القوة هي الاعتراف بالضعف تحت وطأة العاطفة الجارفة.