كتاب: الذين أخفوا الشمس | (1) سجن البديهيات

مقدمة:

ينسب إلى الإمام علي - كرم الله وجهه - أنه قال: «إن الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا»

قد تمر هذه المقولة على الأسماع مرور الكرام، لكنها لا تمر على الأفهام بالكيفية نفسها إطلاقاً، فقائلها -إن صح نسب المقولة إليه- ليس شخصاً عادياً، بل هو باب مدينة العلم.

وبعيداً عن مغالاة البعض في فضله وكراماته؛ يبقى علي بن أبي طالب واحداً من فلاسفة هذه الأمة، ومفكريها، وعلمائها الذين أوتوا من لدن الله علماً، ومن كراماته فضلاً، فكلماته الباقية دلالة عظيمة على بحر علمه، ولو لم يقل سواها لكفتنا؛ إذ إنها ترشدنا بشكل أو بآخر إلى حقيقة هذه الحياة.. هذه الخدعة الكبيرة.

***

صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى بمعرض القاهرة للكتاب عام 2019، بعد أكثر من عام على إتمامه.

كنت متردداً في نشره؛ حتى أني وضعت على غلافه جملة تقول: "لا تقرأ هذا الكتاب"، وكتبت في مقدمته:

"لعلك تظن أن جملة (لا تقرأ هذا الكتاب) جملة دعائية، ولكن صدقني إن بعض الظن إثم، فبالله العظيم أنا صادق بها كل الصدق، ولا أريدك أن تقرأ هذا الكتاب بالفعل.

لماذا إذن تجشمت أهوال الكتابة، وقضيت الأيام والشهور في البحث والتحري إن كنت لا أريدك أن تقرأه؟

لأن هذا ما يمليه عليَّ ضميري كرجل يحمل أمانة القلم، تلك الأمانة التي أجبرتني على إتيان هذا الأمر رغماً عني.

ولماذا لا أريدك أن تقرأه؟

لأني بمجرد أن انتهيت منه فقد وضعت عن كاهلي حملاً ثقيلاً أُشفق عليك منه، فالمعرفة شجرة الأسف، والجهل في بعض الأحيان نعمة"

***

كنت وقتها أظن بأن قراءة كتاب كهذا قد تفتح على القارئ أبواب الشك في كل شيء، وتحرمه الراحة تحت ظلال التجاهل، لكن رغم كل التحذيرات فإن عدد الذين قرؤه كانوا كثيرين، وأغلبهم تفتحت عيونهم على الحقيقة واستيقظوا على عكس ما كنت أظن.

لذا تحليت بالشجاعة وقررت أن يجيء هذا الكتاب في طبعات تالية، وها هي الطبعة الخامسة من الكتاب الورقي، والتي أضفت إليها فصولاً كنت قد حذفتها من النسخ القديمة مخافة أن يرميني الناس بالجنون، إلا أن الحرب التي شنها الملحدون والمغيبون جعلتني أتمسك بموقعي أكثر، وأستفيض دون خوف في تبيان ما سوف يحاسبني عليه الله إن قصرت في تبليغه.

ورغم أني ما زلت محافظاً على موقعي على الحياد من القضية قدر الإمكان، إلا أن مفهوم الحيادية مفهوم مراوغ، ولا بد أن يميل الكاتب -شاء أو أبى، عن قصد أو دون قصد- إلى توجهاته.

لكني ما زلت أؤكد أني فقط أعرض عليك الأمر برمته، أن تقبله أو ترفضه هذا يرجع إليك وحدك، وإلى قناعاتك، لكن انتبه فهذا الكتاب مغامرة عقلية، وإن كنت شجاعاً، وذا عقل يبحث عن الحقيقة وأكملته للنهاية؛ فلا أضمن لك أن تبقى ما أنت عليه الآن، لأنك على وشك الاصطدام بثوابت راسخة، على وشك فتح ستار الكواليس، على وشك فتح عينيك ربما لأول مرة في حياتك، فاحترس لأنها سوف تؤلمك جداً.

هذا الكتاب بوابة ستأخذك إلى عالم آخر، عالم من التفكير الحر المبني على الحقيقة، على رؤية واضحة وليس من وراء حجاب العادة والألفة، لهذا انسحب الآن إن كان قلبك ضعيفاً، أو عقلك جامداً غير مؤهل، وإلا حاول أن تجتر كل مخزون الشجاعة التي تملكها لتستمر في رحلة ذهاب فقط.

ولا تنسَ أن هدف الكتاب برمته إعمال العقل، والبحث والتحري، هذا إن كنت تريد الوصول إلى الحق، والحقيقة.

وجدير بالذكر أن كل ما أنت مقدم عليه ليس اجتهاداً شخصياً، قدر ما هو حصيلة اجتهادات وتجارب كثيرة شرقاً وغرباً، أنا فقط أُرشدك إلى الطريق، ولم أسهم إلا بالترتيب والشرح والتبيين والنذر اليسير.

أخيراً، ثق أن القراءة في هذا الموضوع الشائك ما هي إلا مقبض باب عليك أن تفتحه بنفسك، وترى بعينيك ما وراءه.

وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من لبس أو خطأ أو نسيان فمن نفسي.

***

الفصل الأول

البديهية: هي حقيقة ذاتية الصحة يقر العقل بصحتها مباشرة دون برهان لشدة وضوحها، ولا تحتاج إلى إثبات لأنها في حد ذاتها إثبات لاستنتاج آخر.

وهي في علم المنطق قاعدة أولية تنطوي على فهم وتقدير الأمور بشكل فوري دون الحاجة إلى تمحيص، حيث تعتمد على المعارف المتوارثة والتي تلقى قبولاً في المجتمع.

أي أنها ثوابت ومبادئ عقلية أولية تمكن الأفراد من اتخاذ القرارات، وتقدير الأمور، دون الحاجة إلى دليل معقد أو تفسير؛ لذا، لا يمكن للعقل الواعي نكرانها أو تكذيبها، ويقر بها ويستند إليها في سلسلة استنتاجاته للوصول إلى إثبات ما.

وتختلف البديهية عن المُسَلَّمة بكونها حكماً تحليلياً، وبداية البرهان والتسليم بالأمر دون جدال، وهي سابقة للمُسَلَّمة التي تكملها ولا تتنافى معها.

فإذا كانت الشمس تشع الضوء، فهذه قضية بديهية يسَلِّم بها العقل بشكل تلقائي دون الحاجة إلى إثبات، وإذا كانت الغيوم مصدر المطر، فهذه أيضاً قضية بديهية لا ينكرها العقل، وينطلق منها في رحلة إثباتاته التالية.

ولكن، ماذا لو أن هناك مجتمعاً مغلقاً على نفسه؟ قبيلة تعيش في مكان منعزل تماماً عن العالم، وكل أفراد هذه القبيلة من المكفوفين.

ثم بطريقة أو بأخرى عثر عليهم أحد الرحالة وعاش بينهم فترة من الزمن بدأ خلالها معهم رحلة تعليم من الصفر، فلا شك في أن أول شيء يبدأ به هو البديهيات.

علمهم هذا الرحالة أن هناك جرماً يطير في السماء اسمه الشمس، وهو جسم سداسي الشكل أزرق اللون، ينفث بين الحين والآخر الماء لينزل على الأرض في صورة شيء نسميه المطر.

وأن هناك فقاعات سابحة حول هذا الجسم اسمها الغيوم تشع نوراً وحرارة، وهي تلك اللسعات التي تشعرون بها على جلودكم.

هكذا يصبح بديهياً بالنسبة إليهم أن المطر يأتي من الشمس، والحرارة تأتي من الغيوم، وتتعاقب الأجيال التي تبدأ في تكوين حصيلتها العلمية والمعرفية انطلاقاً من تلك البديهيات.

المطر: ماء بارد يتكون من قطرات تمتزج ببعضها.

والحرارة: ضوء يُظهر شكل الأشياء حولنا لكننا لا نرى ذلك لأننا فاقدون للبصر.

وهكذا يمضي هؤلاء القوم في تعليم أولادهم البديهيات التي تعلموها، وما أضافوا إليها من معارفهم وعلومهم، ويتشكل الوعي العام الذي يمضي بدوره في رحلة تقدمه العلمية كلما تقدمت الأجيال وأضاف كل جيل إسهاماته.

فجأةً، يولد بينهم شخص ليس كفيفاً، ويبدأ مثل الجميع في تحصيل ميراث العلم الموروث عن أسلافه، فيصطدم أول ما يصطدم بالبديهيات، ويبدأ رحلة شك فيها لأنه يرى بعينيه أن الشمس ليست جسماً سداسياً أزرق ينزل منه المطر، والغيوم ليست فقاعات تشع نوراً وحرارة.

ورغم أنه يرى بعينيه إلا أنه يكذبها، لأنهم يبرمجون عقله ويقنعونه بأن ما يراه ليس حقيقياً، وأن ما يعتقد كونه حقاً هو باطل؛ لأن البديهية تقول عكس ذلك، وبما أنها قضية عقلية لا تحتاج إلى برهان ويُقر العقل بصحتها دون استدلال مسبق، إذن لو أن هناك خللاً فيكون في عقله وفي عينيه التي تخدعه.

إن التكرار الذي حدث على مدار أجيال يجعل هذا الشخص يبدو في نظر الجميع مجنوناً؛ لأنه يقول خرافات ويشكك في بديهيات لا يمكن نكرانها.

إذ كيف يقول هذا المجنون إن الشمس مصدر الحرارة، والغيوم مصدر المطر، فيخالف قضية محسومة وبديهية توارثتها الأجيال وآمنت بها؟

***

هذه الفرضية التخيلية مبنية على قصة قصيرة تحولت فيما بعد إلى قصة مطولة نشرها الكاتب والروائي الإنجليزي هربرت جورج ويلز عام 1940 بعنوان: بلد العميان (The Country of the Blind)، وفيها افترض أن مجموعة من المهاجرين من بيرو هربوا من طغيان الإسبان فوصلوا إلى وادٍ بجبال الأنديز، لكن حدوث انهيارات صخرية في الجبال أدى إلى حصارهم في هذا الوادي، إلى أن انتشر بينهم مرض غامض أصابهم جميعاً بالعمى، وبذلك لم يتمكنوا من مغادرة الوادي وانعزلوا تماماً عن العالم الخارجي، وتوارثوا العمى جيلاً بعد جيل.

وفي أحد الأيام، وأثناء رحلة تسلق جبلي بجبال الأنديز، سقط مغامر يدعى (نيونز) في وادٍ منعزل عن العالم الخارجي منذ قرون بسبب انهيارات جبلية حيث يعيش أصحابنا العميان، والذين تكيفوا مع العمى لدرجة أنهم أصبحوا لا يعرفون بأن هناك حاسة اسمها النظر، وبنوا مجتمعاً متكاملاً على أساس أن الحياة خالية من الرؤية.

في البداية، اعتقد نيونز أن امتلاكه لحاسة البصر يمنحه ميزة كبيرة على سكان الوادي، إذ سيرون فيه شخصاً خارقاً أو حتى ملكاً، وبدأ يخطط لاستخدام قدرته على الرؤية لتحسين حياته بينهم.

إلا أنه سرعان ما تفاجأ عندما أدرك أن سكان الوادي -الذين لا يعرفون مفهوم البصر- يعتبرون حديثه عن الرؤية دليلاً على خلل عقلي، فبالنسبة لهم، الحياة المثالية لا تحتاج إلى أعين لأنهم تكيفوا تماماً مع بيئتهم دون حاسة النظر.

ورغم محاولاته لشرح مدى أهمية النظر، وكيف أنه يجعلهم قادرين على رؤية أشياء لا يستطيعون إدراكها، إلا أنه كان يقابل بالاستهزاء، حتى أنهم اعتقدوا أنه يعاني من اضطراب أو مرض عقلي، وقرروا إجراء عملية جراحية لإزالة عينيه كي يتوافق مع باقي المجتمع.

لكنه هرب من الوادي متخلياً عن محاولاته للاندماج معهم، وانتهت القصة بنهاية غامضة تصور هروبه في ظل الظروف القاسية لجبال الأنديز، ما يترك القارئ في حالة من التفكير حول مصيره.

ورغم أن القصة توضح هشاشة الحواس التي نعتمد عليها في إدراكنا للعالم، وكيف أن الإنسان قادر على التكيف حتى مع أشد الظروف تطرفاً، إلا أنها تكشف عن الفكرة الفلسفية التي تدور حول كون معايير الإدراك والمعرفة نسبية، فما يُعتبر طبيعياً في ثقافة أو مجتمع، قد يعتبر غير طبيعي في مجتمع آخر.

لكن الأهم هو الإشارة إلى الصدام بين الفرد والمجتمع، والتحديات التي يواجهها الفرد في محاولته الاحتفاظ بهويته وأفكاره ومعتقداته في مواجهة الضغوط للاندماج والتطابق مع المجموع.

فالمتفكر يسعى دائماً للتمسك بهويته وأفكاره ومعتقداته، في حين يفرض عليه المجتمع مجموعة من القواعد والمعايير التي تنظم سلوكه وتحدد طريقة تفكيره، لذا فالشخص الذي يحمل أفكاراً إصلاحية في بيئة تقليدية أو بيئة مسمومة، يجد نفسه في وضع يمثل تصادماً دائماً مع المجموع، وفي بعض المجتمعات ينظر إلى هذا الفرد بشك وريبة، ويعامل أحياناً بالقمع لتمسكه بمواقفه ومعتقداته.

ولنا في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام خير مثال، فقد واجه صداماً شديداً مع مجتمعه الذي يعبد الأصنام، محاولاً التمسك بالتوحيد ودعوة الناس إلى عبادة الله وحده.

ورغم أنه جادلهم في بطلان عبادتهم، وأقام عليهم الحجة بتحطيم أصنامهم كي يثبت لهم أنها حتى لم تدافع عن نفسها، إلا أنهم رفضوا دعوته وعاملوه بالقمع إلى درجة محاولة إحراقه، بيد أنه نجا من النار بمعجزة من الله، ما يثبت أن التمسك بالعقيدة الراسخة في وجه المجتمع -وإن كان صعباً- يؤدي إلى النصر في النهاية، وأن السكوت عن الحق يؤدي حتماً إلى انتشار الباطل وارتفاع صوته كأنه الحق.

***

إن الصدام بين الفرد والمجتمع ليس بالأمر الجديد، فالمستيقظون قدرهم أن يواجهوا دائماً تحديات للاحتفاظ بهويتهم وقيمهم وأفكارهم في ظل الضغوط المجتمعية للاندماج والتطابق مع الأكثرية، وهذا هو الحال في عالمنا اليوم أيضاً.

وبالرجوع إلى فرضية العميان التي طرحناها كمثال، نجد أنها حدثت في مجتمع كفيف يفتقر إلى الرؤية والتفكير الحر، ويعتمد في سلسلة براهينه على الاستنباط المعرفي المبني على بديهيات خاطئة صدقها وآمن بها فقط لكونها مجموعة من الأفكار الجاهزة التي تكررت على العقل من المهد إلى اللحد.

فالإنسان يملى عليه منذ نعومة أظفاره وحتى يهرم أن الشمس جسم سداسي أزرق يرسل إلينا المطر، والغيوم فقاعات تُشع نوراً وحرارة، ثم تبدأ البراهين لإثبات ذلك بما لا يمت إلى الفرضية نفسها بصلة.

ألا تشعر بالمطر؟ ألا تحس لسعات الحرارة على جلدك؟ هذا هو الدليل.

هكذا يجد هذا الشخص نفسه غريباً مثل (أليس) في بلاد العجائب، وحيداً في عالم يعيش في أعماق نفق أرنب.

عالم غير منطقي، وغير مقنع.

***

أما في عالمنا المنظور ثلاثي الأبعاد فنحن مبصرون، ولا يمكن لفرضية كتلك التي آمن بها هؤلاء القوم أن تصدق، فضلاً عن جعلها بديهية، فنحن نملك أعيناً نرى بها أن الشمس جرم يشع نوراً وحرارة، بينما الغيوم هي التي ينزل منها المطر.

ولكن ماذا لو قرر البشر فجأة تغيير اسم الموز ليصبح برتقال، وتغيير اسم البرتقال ليصبح موز؟

لا شك في أن الجيل المعاصر لهذه الفرضية سوف يستهجنها، أما الجيل التالي فسوف ينقسم على نفسه، البعض حداثي يتبع الأسماء الجديدة، والبعض أصولي يتمسك بالأسماء القديمة، ومع كل جيل سوف يتناقص أتباع الأصولية ويتزايد أتباع الحداثة، حتى نصل إلى جيل لو أن فرداً منه أطلق الاسم الصحيح على نوع الفاكهة يكون مكانه مستشفى الأمراض العقلية.

***

لذا فإن خطة تغيير الوعي وصنع بديهيات وزرعها في العقول هي خطة أجيال، ولا يمكن تحقيق نجاحها إلا باستمرارها وتكرارها لبرمجة العقول على مدار تلك الأجيال.

بيد أن هذا في حكم المستحيل، فمن ذا القادر على تطبيق خطة تستمر لقرون؟

الجميع يهلك ويموت، ولذلك، لا بد أن يقف وراء خطة كهذه رأس لا يموت، رأس خالد في الحياة.

وهذا ما حدث بالفعل، حينما أخفوا الشمس.

هل يبدو الأمر كأنه أُحجية؟

هل تسأل نفسك: ماذا يريد هذا الرجل بكل هذه الثرثرة؟

حسناً، أريد منك أن تربط حزام الأمان جيداً لأننا سنقفز داخل نفق الأرنب لنرى كم هو سحيق العمق.

حاول أن تتجرد من كل أفكارك المسبقة، من كل قناعاتك التي تعلمتها في حياتك.

حرر عقلك، واترك له العنان للتفكير بكل حرية بعيداً عن تلك الزنزانة الخانقة التي تسمى: (البديهيات).