تحت ظلال الوحوش المنهارة، صمت الأبطال

...
Cover Image
تحت ظلال الوحوش المنهارة، صمت الأبطال

كذوب الأفق — ذلك الخط الذي يعدك بنهاية ولا يفي — هو المكان الذي تولد فيه الوحوش دائماً. تراه فتظنه حداً فاصلاً بين ما تعرفه وما تجهله، فإذا به يتراجع كلما اقتربت، كأنه يمزح معك بجدية مقلقة. في هذا الفضاء المعلق بين الحلم واليقظة، تنتصب الوحوش كأشجار غابة كثيفة: بعضها

كذوب الأفق — ذلك الخط الذي يعدك بنهاية ولا يفي — هو المكان الذي تولد فيه الوحوش دائماً. تراه فتظنه حداً فاصلاً بين ما تعرفه وما تجهله، فإذا به يتراجع كلما اقتربت، كأنه يمزح معك بجدية مقلقة. في هذا الفضاء المعلق بين الحلم واليقظة، تنتصب الوحوش كأشجار غابة كثيفة: بعضها ضخم يسدّ الأفق، وبعضها صغير يختبئ في الظل، لكنها جميعاً تشترك في شيء واحد — أنها لا تختفي حين تسقط. تترك فراغاً. وذلك الفراغ هو الذي يحيّر البطل، ويقعده في صمته الغريب بعد انتهاء المعركة.

السؤال الحقيقي لم يكن يوماً: كيف نقتل الوحش؟ السؤال الأعمق هو: ماذا نصبح بعد أن نفعل؟ هل يضيء الأفق حقاً، أم أننا كنا نحتاج إلى الظلام لندرك معنى النور؟ والأطفال الذين يلهون على الشاطئ لا يشغلهم هذا السؤال — لكن البطل الذي عاد من الغابة بيد مضرّجة بدم الوحش، يجلس وحيداً ويدرك أن شيئاً ما مات فيه هو أيضاً.


الوحش بوصفه مرآة

التحديات الكبرى في حياة الإنسان — تلك التي نسمّيها مجازاً وحوشاً — ليست خارجية بالكامل أبداً. جزء منها نسجناه بأيدينا من خيوط الخوف والأسطورة والذاكرة الجماعية. المجتمعات لا تورث أبناءها الأدوات وحسب، بل تورّثهم أيضاً قائمة بالوحوش التي ينبغي خشيتها، وطقوس المواجهة التي ينبغي اتباعها. وهذا ما أشار إليه إدوارد سعيد (Edward Said) في نقده لمفهوم الاستشراق (Orientalism): أن صياغة "الآخر" كتهديد أو لغز أو وحش يستدعي الإخضاع، هي قبل كل شيء فعل خيال، ثم فعل سلطة.

حين نقاوم تحدياً ما ونتغلب عليه، نتغلب في الوقت ذاته على الصورة التي رسمها لنا من علّمونا أن نخافه. وهذه اللحظة المزدوجة — التغلب على الواقع والتغلب على الوهم معاً — هي ما يجعل الانتصار أحياناً محيراً وغير مكتمل الفرح. الوحش كان يحمل معه معنى ما، وقصة ما، وربما هوية ما. وحين يسقط، تسقط معه أشياء لم ندرك أننا أحببناها.


الفراغ الذي لا يُملأ

ثمة لحظة في حياة كل من خاض معركة حقيقية — مع مرض أو خسارة أو خوف متجذر — يجلس فيها بعد الانتصار ويشعر بشيء لم يتوقعه: شيء يشبه الفقد. ليس الفقد من الهزيمة، بل الفقد من الانتصار نفسه. جورج أورويل (George Orwell) في "1984" رسم كابوس الإنسان الذي يُنزع منه حق التساؤل، فيفقد مع التساؤل هويته. غير أن الخطر المقابل — وهو ما لم يتحدث عنه أورويل — هو الإنسان الذي يجيب على كل أسئلته، ويهزم كل وحوشه، فيجد نفسه في عالم أملس لا شيء يتمسك به.

الهوية تتشكّل في المقاومة لا في الراحة. نحن نعرف أنفسنا حين نواجه ما يخيفنا، وحين نختار كيف نتعامل مع الضخم والمجهول. الفراغ الذي يخلّفه الوحش المهزوم ليس فشلاً في الانتصار، بل هو الثمن الحتمي لأي تحوّل حقيقي. والإنسان الذي يتألم في هذا الفراغ، ويجلس فيه بدل أن يهرب منه نحو وحش جديد — هذا الإنسان يبدأ رحلته الأصعب: رحلة معرفة ما تبقى منه بعد أن زال ما كان يقاومه.


نيتشه والوحش الأخير

فريدريك نيتشه
فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche) لم يكن يتحدث عن التنانين حين قال ما قاله عن المعارك والانتصار — كان يتحدث عن الإنسان الذي يتطلع إلى ما هو أعلى من نفسه، ويرى في كل عقبة فرصة لتجاوز حدوده الراهنة. "من يعرف أن ينتصر على الوحوش، يعرف أن ينتصر على نفسه" — هذه العبارة تحمل توتراً عميقاً: فالنصر على الذات ليس إلغاءها، بل إعادة صياغتها. الوحش الداخلي هو الأصعب دائماً، لأنك لا تستطيع أن تبتعد عنه، ولأن الفوز عليه يعني تقبّل أن شيئاً كان جزءاً منك، وأنت من أنهاه.

وهنا تكمن الغرابة التي يشير إليها عنوان مقالة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press): ذلك الحزن الغريب الذي يصاحب قتل الوحوش (The Strange Melancholy of Slaying Monsters). ليس حزناً على الوحش — فلا أحد يبكي على التنين — بل حزن على الجزء من الذات الذي كان يحتاج إلى التنين ليعيش. البطل من غير عدو يستيقظ في الصباح ويسأل نفسه: إلى أين أذهب الآن؟


أفق ما بعد المعركة

حين ننظر إلى ما قد يكون عليه حالنا بعد عقد أو عقدين، نجد أن العالم لا يَعِد بأفق خالٍ من الوحوش. الوحوش تتبدّل أشكالها، وتتجدد مصادرها، وتتطور أساليبها في الإخافة. ما يتغير هو نحن — أو ينبغي له أن يتغير. المجتمعات التي تعلمت أن تجلس في فراغ ما بعد الانتصار، وأن تتأمل ما خلّفه الوحش المهزوم من أسئلة، هي وحدها القادرة على مواجهة الوحش التالي بنضج حقيقي لا بشجاعة عمياء.

المسألة ليست أن نبحث عن أمان مطلق أو استقرار لا تعكّره عاصفة. المسألة أن نفهم العلاقة بين الخوف والمعنى، وبين المعركة والهوية. وحين نفهم هذه العلاقة، يصبح السؤال أقل حدة وأكثر صدقاً: هل نبني آلهة جديدة لنعبدها، أم أننا نتعلم أن نعيش دون معبود في كل لحظة يشعرنا بالضعف؟ وهل يستطيع الإنسان يوماً أن يهزم وحشاً دون أن يجد، في الرماد الذي يبقى، صورة مصغّرة لنفسه؟

***

مثل كذوب الأفق الذي يتراجع كلما اقتربت منه، يبقى الفراغ الذي تخلّفه الوحوش المهزومة دعوة إلى مضي أعمق — لا نحو وحش جديد، بل نحو فهم أصدق لما نحن عليه حين تنتهي المعارك وتصمت الغابة. والصمت — في نهاية المطاف — ليس فراغاً. هو المكان الوحيد الذي يستطيع فيه البطل أن يسمع صوته هو.

المصدر: https://thereader.mitpress.mit.edu/the-strange-melancholy-of-slaying-monsters/