الراقدون فوق التراب

تخنقُ الروحَ ضيقٌ يعصفُ بكل ما كان، حتى تتكسرَ الأمنياتُ كزجاجٍ هشٍّ على أرضٍ صماء. لم يبقَ للعشاقِ سوى بقايا يأسٍ، يعانقُها بردُ الفقدِ. تتلاشى الأحلامُ، تتساقطُ مآقي الروحِ، لتتركَ الحروفَ وحدها شاهدةً على خواءٍ تمددَ في كل زاوية. هنا، في تونس، حيثُ يتقاطعُ صخبُ العابرين مع صمتِ الأرواحِ المنهكة. سائقٌ يمزجُ شكواه بفتوى، وعيناهُ ترصدانِ ما لا يصحُ أن يُرى. السياحُ الأجانبُ، أبناءُ ثقافةٍ تتجرأ على العري، يمرون كطيفٍ عابرٍ، ليتركوا خلفهم غبارَ حكمٍ جاهز. في هذا المشهدِ، تبدأُ الرحلةُ، لا بالكلماتِ المنمقة، بل بوشوشاتِ الخوفِ، وبرائحةِ العرقِ واليأسِ تتجسدُ في قصصٍ تتداخلُ فيها الحياةُ والموتُ، كدائرةٍ لا تنتهي، يترددُ صداها في همساتِ الجيرانِ، وخيباتِ الأبناءِ، وأحزانِ الأمّهات. الراقدون فوق التراب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjVStBnUvitVw2GLZCDvGXD5IXf6aGGImSR8-sUL6Izk0mqSGSefEjwEFw3DV2XUwUDEfLGbxuEiTDrsLz1a70__rKXTEsfYH7ZjxzMnZUB2vl0bnnv3xEXEYSBPKb9bo3Ex9WoyhqKLSAIdbKqCsxSWYY3DGXs72LkW6ZQ1KZ-utacjMF3qlvqgvxpkBw/s320/171.jpg

تخنقُ الروحَ ضيقٌ يعصفُ بكل ما كان، حتى تتكسرَ الأمنياتُ كزجاجٍ هشٍّ على أرضٍ صماء. لم يبقَ للعشاقِ سوى بقايا يأسٍ، يعانقُها بردُ الفقدِ. تتلاشى الأحلامُ، تتساقطُ مآقي الروحِ، لتتركَ الحروفَ وحدها شاهدةً على خواءٍ تمددَ في كل زاوية.

هنا، في تونس، حيثُ يتقاطعُ صخبُ العابرين مع صمتِ الأرواحِ المنهكة. سائقٌ يمزجُ شكواه بفتوى، وعيناهُ ترصدانِ ما لا يصحُ أن يُرى. السياحُ الأجانبُ، أبناءُ ثقافةٍ تتجرأ على العري، يمرون كطيفٍ عابرٍ، ليتركوا خلفهم غبارَ حكمٍ جاهز. في هذا المشهدِ، تبدأُ الرحلةُ، لا بالكلماتِ المنمقة، بل بوشوشاتِ الخوفِ، وبرائحةِ العرقِ واليأسِ تتجسدُ في قصصٍ تتداخلُ فيها الحياةُ والموتُ، كدائرةٍ لا تنتهي، يترددُ صداها في همساتِ الجيرانِ، وخيباتِ الأبناءِ، وأحزانِ الأمّهات.

الراقدون فوق التراب رواية 171 412 يناير 2019 yes 201091985809 بسمة دجبي كاتبة تونسية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjvMsKtUq24BquMVJ6j3CfPViLPppcVJPaLiUWJ5BfrnUWt8MtNAPpKRRDcIHCXlSjM3SwKG_ClsmyTlaRNujNwZGnoRVPKAlIluVUg6bHK2LGwboJMmcmpBZ_e3_Xph33zXSu-0JFNPv6da_CvzUwQRbT2nf3Y3aTcqHMMt1G4xyAcRPDLzfIyH0phdR0/s800/%D8%A8%D8%B3%D9%85%D8%A9-%D8%AF%D8%AC%D8%A8%D9%8A.jpg

تتفتح الرواية على مشهدٍ يختنق فيه الأمل، فتتكسر القصائد على ضفاف اليأس، وتُصبح أحلام العشاق مجرد رمادٍ يتطاير مع كل نفسٍ موجوع. "كل شيء ضاق... ضاق حتى ضاع"، تنطق الكلمات كصرخةٍ مكتومة، لتعلِن عن نفاد الأمنيات والمراثي، وعن خواء الروح بعد أن استنزفت عصارتها. لم يتبقَ سوى الكلمة، تلك الكلمة التي تحمل على عجلٍ آخر الأحلام، وآخر الآمال، ثم ترحل.

تأخذنا رحلة الرواية إلى تونس، حيث تلتقي غفلة السائق بمرارة الواقع، ويُجبر السامع على سماع شكوىٍ تتضخم بالسباب، متهمةً الحاضر بالانحلال الأخلاقي. يصرخ السائق غاضباً من رؤية سياحٍ أوروبيين يرتدون ما يكشف أجسادهم، ويقارن ذلك بجمود الشريعة التي يفترض أن تحكم. تنم هذه الواقعة عن صدعٍ عميق بين ما يدعيه البعض من تمسكٍ بالقيم، وبين ما تفرضه الحياة من انفتاحٍ يراه البعض الآخر جرحاً غائراً في الروح.

تتجه الرواية نحو شخصية الحاج علي، رجلٌ تجاوز الزمن تجاعيده، فباتت شفتاه بالكاد تفصلان ما بين الحياة والموت. لا يقول لسانه سوى ما يألفه، ولا يستقبل إلا ما يطيب له، ويبقى صمته هو الرد الوحيد على ابتزاز ملك الموت. يلتف حوله الأبناء، يظنون أن مرضهم المتكرر، الذي يتزامن مع "حنة" الصحفي، مجرد قصةٍ قديمةٍ مكررة، كقصة الراعي الذي كذب بشأن الذئاب. تكتشف الأجيال أن هذه الابتذالات المتكررة، ما هي إلا محاولاتٍ بائسةٍ للتغلب على حتمية الفناء.

تتوالى أخبار مرض الحاج، ثم احتضاره، ثم شبه عودته للحياة، حتى بات موته المتوقع موضع شكٍ لدى جيرانه. يتوقعون منه كل شيء إلا الموت، حتى تراه ابنته جثةً هامدةً أمام قطعة حصى، ليتزامن موته مع بدء احتفالٍ بزواجٍ شاب. ينقسم الجيران بين من يرى في هذا الموت نذير شؤمٍ يجب أن يعطل الفرح، وبين من يرى فيه حتميةً لا مفر منها. ترفض الجدة "أم العروس" أي تأجيلٍ للفرح، مؤكدةً على إصرارها بدعوةٍ للسماء، تعكس صراعاً بين البقاء والاحتفاء بالحياة.

في خضم مشهد العزاء، ترصد الراوية نفسها تراقب المعزين، متسائلةً عن احتفاظ نفوسهم بالكثير مما يعتمل فيها. يخيم صخبٌ يعكس تقاليد الدفن والجنازة، يصاحبه أكلٌ وشربٌ ومضغ. تفتقد الروح للهدوء، وتتساءل عن النزر اليسير من الهدوء الذي تمنحه بعض النساء اللاتي يتحدثن بسوءٍ عن أمها، نفس النساء اللاتي ساهمن في لوازم الدفن والجنازة. هذه النفوس البشرية، كم هي غريبة؛ فبمجرد أن تبدأ بلعنها، يبدأ لسانك بشكرها.

تقف الراوية أمام بابٍ أزرقٍ باهت، تكسوه بقعٌ بيضاء، كأن جدران المنزل لم تطلؤها منذ ست سنوات. أسندت جسدها على الباب، مستمتعةً برذاذ المطر الذي بدأ يهطل. أغمضت عينيها، تستمع لقطرات المطر وهي تضرب الأرض، وتستنشق رائحة تراب حديقتهم العطرة. إنها رائحةٌ دافئة، تستحضر صورة أمها وهي ترقص حافية القدمين على سطح المنزل تحت المطر. يتشكل الأفق بسحبٍ بيضاء، تتناثر معها دموعها، فتنفرط قطرات المطر كحبات مسبحةٍ من لؤلؤ، تهبط على هذه الليلة الحارة، معلنةً بدايةً جديدة.