حديث صامت

... مشاهدة
Cover Image
حديث صمت

خرج الشيخان ببطء يدقان عكازيهما على الأرض، يخطو كل منهما بحذر وعيناه بين العكاز وقدمه، التحقا بمقعدهما، جلس كل منهما في مكانه المعتاد، يداري قَديمَه بمدراة الحنين. متلاشيات لا فائدة من ورائها، صور معطوبة وأخرى تظهر كأنها صوّرت للتو. يقلب عبد القادر فيها عن شيء يسليه، يحرره من وقعه، خدود

خرج الشيخان ببطء يدقان عكازيهما على الأرض، يخطو كل منهما بحذر وعيناه بين العكاز وقدمه، التحقا بمقعدهما، جلس كل منهما في مكانه المعتاد، يداري قَديمَه بمدراة الحنين.

متلاشيات لا فائدة من ورائها، صور معطوبة وأخرى تظهر كأنها صوّرت للتو.

يقلب عبد القادر فيها عن شيء يسليه، يحرره من وقعه، خدود شقت بمحراث غادر على ارض بوار، تجاعيد غائرة، حفر، غدت برك ذكريات سامة.

يتذكر بأسف كيف استقبل طفله البكر، وكَمَّ السرور الذي غمر قلبه، وسجال التسمية، ونشوة تسجيل الاسم في دفتر الحالة المدنية... وكيف استقبل الثاني والثالث والرابع وشبابه يتآكل واقفا، ثلثي يوم، وراء مصطبة يعد للنادل طالبيات الزبائن. لكنه كان مغتبطا لشباب يستحيل قوة تنبض في اجساد أبنائه. في فراغه كان يتكئ على المصطبة ينسج شريط خريفه وهو يلاعب احفاده، ينتظرهم بباب المدرسة، يقطف السرور وهم يحومون حوله، يغذي نظره من قامات تستطيل، ومعارف تتسع لتحوي قيما.

أحيانا يتذكر ذلك بصعوبة، وأحيانا أخرى تنغص الصور مزاجه المكدر الصور دون مجهود يذكر.

بعد موت زوجته رحمة أصبح وحيدا، كانه ما خلف، أو كانه لا يملك لا حفدة ولا أسباط. تسعتهم تعادل العدم.

حياه رتيبه حد الموت، قارة قر المتجمد، حارة حر تموز. تحيك الموت ببطء، تغتال الحياة مئة مرة كل يوم. ترهن تضن عليهما بقبر رحيم.

بجانبه وعلى جزيرة معزولة رفيقه الحاج سمير، تتلمس أصابعه حبات سبحته وذهنه يطارد غيوما لازوردية حبلى بالفراغ. لا مطر، ولا برَد. غيم عقيم تحجب الدفء عن أشلاء وهن مخها.

لم يعد يتذكر غير ما مر به حديثا، مم خفف عنه الألم، وعفاه من مواجع رنت على قلبه من قبل.

فراغ مخيف، قبل أسبوع أضاع المدخل، فبقي في الحديقة تحت ندى كانون الثاني حتى تجمد الدم في عروقه الخضراء الناتئة. ليومين فقدت أطرافه الحركة، ولزم جسده الواهن السرير. ظن ان ساعة راحته قد حانت، لكن النشاط الفاتر دب في جسده وحمله يمشي مشية الرضيع، يرمي قدمه بتؤدة ويتبعها الاخرى وهو يتوقع السقوط عند كل خطوة يخطوها، والمساعدة تحت ابطه تشجعه بعد كل خطوة، يبتسم بفتور وعيناه قد اغرورقتا وسط دمع شفيف، وصوت حفيدته «نعمة» يترنم جدي، جدي. توقف يلتقط نفسا، تلاشت الصوت، تجهم وهو يرى سيارة ابنه تبتعد مختلفة اياه هنا. مجرد بقايا ندبها الزمن، لم تعد صالحة لأي شيء. كومة من العظام البالية والتجاعيد.

طفل وحيد مدلل حمل بسيارته المصنوعة تحت الطلب أمه إلى المستشفى، وحمل أباه إلى حيث هو الآن. وغادر إلى كندا، وترك صورة نعيمة، وهي تلوح مبتسمة، معلقة بين عيني والده.

تمر معظم الأشرطه حزينة. نادرا ما تتخللها بسمه مقتضبة. ترتعش لها الفرائص، وينز لها الجسد عرقا. ينفتح باب التاويل على مصرعيه، فيرتمي الشرر يكوي فؤاد الحاج سمير، الذي تخلى عن كل ما بقي من أملاكه للدار.

بعد ساعتين كأنها عقود مرت وهما على جزيرة خالية، على تلة رابية تحت غيوم رمادية حبلى بالألم، التقت الاعين، التفت كل منهما إلى عكازه وقصدا مدخل دار المسنين في صمت.