المصفوفة الشيطانية - كيف سجنوا الوعي البشري؟

... مشاهدة
المصفوفة الشيطانية

في عام 1999، أنتجت السينما الأمريكية الجزء الأول من سلسلة أفلام خيالية بعنوان The Matrix، أو «المصفوفة»، تلته فيما بعد ثلاثة أجزاء. ابتكر القصة الأخوين واتشوسكي The Wachowskis، هما حالياً الأختين واتشوسكي، وتحكي جذور القصة أنه في المستقبل تمكن البشر من تطوير الروبوتات لتؤدي بعض المهام المتطورة نيابةً عنهم في

في عام 1999، أنتجت السينما الأمريكية الجزء الأول من سلسلة أفلام خيالية بعنوان The Matrix، أو «المصفوفة»، تلته فيما بعد ثلاثة أجزاء.

ابتكر القصة الأخوين واتشوسكي The Wachowskis، هما حالياً الأختين واتشوسكي، وتحكي جذور القصة أنه في المستقبل تمكن البشر من تطوير الروبوتات لتؤدي بعض المهام المتطورة نيابةً عنهم في المصانع والمزارع والمهام المنزلية أيضاً، حتى أصبح الروبوتات هم العمال والمزارعون والخدم المنزلية، أصبحوا عبيداً لأسيادهم البشر، عبيد لا يعارضون، ولا يتذمرون لأنهم ببساطة لا يعلمون أنهم عبيد.

The Wachowskis

وهكذا صار بإمكان أي شخص شراء روبوت يقوم بالطهي، وغسل الأطباق، وتنظيف المنزل، وما إلى ذلك من مهام، إلى أن جاء يوم وقرر أحد البشر التخلص من الروبوت الذي يملكه وربما استبداله بآخر أكثر تطوراً، وحين علِم الروبوت بما ينوي سيده القيام به، تولدت داخله الإرادة الحرة، وهجم على الرجل وقتله.

كانت تلك لحظة فارقة؛ إذ فهم البشر أن الروبوتات ليست مجرد آلات مبرمجة لأداء مهام معينة دون أية محاولة منها للابتكار، بل يمكن أن تصل إلى حالة الوعي، وتدرك ذاتها وكينونتها، وتحركها غريزة البقاء، وهنا قرر البشر التخلص من هذه الآلات التي تطورت من تلقاء نفسها بشكل لم يتوقعه أحد، لكن الروبوتات قامت بثورة على البشر.

وبعد أحداث عنف كثيرة، هرب بعض هذه الآلات إلى منطقة صحراوية نائية في الشرق الأوسط، وأسست مدينة خاصة بها أطلقوا عليها اسم 01، «صفر واحد»، وليس «نيوم».

وبطبيعة الحال، تطورت المدينة تكنولوجياً تطورًا كبيرًا، فما يحكمها هو ذكاء اصطناعي يفوق قدرات البشر، وظهرت أجيال من الروبوتات صنعها الذكاء الاصطناعي نفسه بمزيد من الوعي والقدرة، لذا، شنّ عليهم البشر حربًا نووية ودمروا مدينتهم.

لكن الروبوتات التي نجت من تلك المذبحة تجمعوا وأعادوا بناء المدينة مرة أخرى، غير أنهم هذه المرة أضافوا لها أسلحة للدفاع عن أنفسهم، وما لبث أن تحول الدفاع إلى هجوم، واندلعت الحرب بين البشر والآلات التي كانت تحقق تقدمًا هائلًا.

وأمام عجز البشر عن مواجهة هذه الآلات الواعية والمتطورة، لجأ البعض إلى خطة تدمير السماء لمنع أشعة الشمس من الوصول إلى الأرض؛ فقامت آلاف الطائرات بحقن الغلاف الجوي بمواد نانوية عملت على حجب الشمس، ومن ثَم حُرمت الآلات من المصدر الذي يمدها بالطاقة.

لكن السحر انقلب على الساحر، فبعد تدمير السماء هلكت المزروعات وتضور البشر جوعًا وشارفوا على الهلاك، في حين استطاعت الآلات توفير مصدر آخر للطاقة، وهو الجسد البشري نفسه، فقاموا بإنشاء ما يشبه الحقول، يستزرعون فيها البشر لاستخلاص الطاقة من أجسادهم.

ومع مرور الوقت، لاحظوا أن مزروعاتهم البشرية تهلك بسرعة، لأن الوعي البشري يرفض السجن، وهنا جاءت للآلات فكرة معقدة وهي سجن الوعي البشري أيضًا؛ فقاموا ببرمجة عالم افتراضي أطلقوا عليه اسم The Matrix أو المصفوفة، وقاموا بتوصيل العقول البشرية بهذا العالم ليظن الوعي بأنه يعيش في عالم حقيقي، بينما هو في الحقيقة سجين برنامج حاسوبي مبرمج هدفه تضليل العقل حتى لا تخور قوى الجسد ويظل يمد الآلات بالطاقة التي يحتاجونها.

البشر إذن أصبحوا مجرد إسقاط في برنامج حاسوبي صنعته آلات متطورة، بينما أجسادهم وعقولهم الحقيقية نائمة في مكان ما بالعالم الحقيقي.

مليونات ومليارات البشر سُجنوا في أوعية، في عالم مزيف، حيث الحقيقة يبرمجها الأسياد الآلات ويفرضونها على الوعي المغيب فرضًا، ولا يجد البشر بدًا من تقبل هذا العالم كما قُدم لهم.

***

Neo
هذه جذور القصة، أما القصة نفسها فتبدأ عند شخص يُدعى توماس أندرسون Thomas A. Anderson، أو نيو Neo، لا يختلف عن أي شخص في العالم سجين داخل المصفوفة، ومع ذلك، تراوده الشكوك ويتساءل عن طبيعة هذا العالم، يشعر بأن هناك شيئًا خاطئًا، لكنه لا يعرف ما هو على وجه التحديد، إلى أن جاء يوم تواصلت معه جماعة من الأشخاص الذين استطاعوا الاستيقاظ والخروج من المصفوفة.

أخبره قائد المجموعة واسمه مورفيوس Morpheus بالحقيقة، وهي أن هناك عالمين وليس عالماً واحداً: العالم الأول هو العالم الحقيقي وفيه الناس نيام، والعالم الثاني هو عالم افتراضي يعيش فيه البشر معتقدين أنه العالم الحقيقي ولا عالم سواه، بينما هو في الواقع أوهام.

ثم عَرَض عليه الاختيار بين تناول حبة دواء زرقاء، وهي كود برمجي يُعيده إلى المصفوفة ليواصل حياته داخلها ناسيًا كل ما سمعه تواً، أو تناول حبة دواء حمراء تجعله يستيقظ.

ما من شك أنه خيار صعب بين النعيم في ظلال الجهل، أو الشقاء تحت نير المعرفة.

Morpheus

اختار البطل الشقاء، وتحرر من عالمه المزيف واستيقظ في كبسولته بحقول زراعة البشر، ثم انتقل إلى سفينة المستيقظين واسمها نبوخذ نصر Nebuchadnezzar، وتَعَّرف على طاقم السفينة وأهمهم سايفر Cypher، وترينتي Trinity.

حكى له مورفيوس عن أول شخص استطاع الاستيقاظ، كان هذا الشخص قادرًا على التحكم في المصفوفة نفسها، تمكن من إيقاظ آخرين، وأسس مدينة تُدعى زيون Zion لتكون الملاذ الأخير للبشر استعدادًا لتدمير المصفوفة وتحرير الناس منها، وبعد وفاته تنبأت عرافة Oracle بأنه سيولد مجدداً وسيقود البشر في حربهم ضد الآلات.

ظل المستيقظون في انتظاره، في انتظار المُختارThe One الذي سيقود العالم إلى الحرية، بحثوا عنه كثيرًا في عالم المصفوفة حتى وجدوه أخيرًا.

عرف نيو كل هذا، وعرف أنه هو نفسه المُختار الذي كانوا في انتظاره.

***

وقبل أن نكمل، لاحظ ما توحي به الأسماء في القصة وكيف تم اختيارها بذكاء شديد.

فاسم توماس أندرسون Thomas Anderson اسم عادي لشخص عادي، لكن اسمه الآخر نيو Neo، فهو بادئة لغوية تعني «جديد» أو «مُحَدَّث».

أما مورفيوس Morpheus، فهو اسم إله الأحلام في الأساطير الإغريقية.

واسم السفينة نبوخذ نصر Nebuchadnezzar فواضحٌ بطبيعة الحال، فهو الملك البابلي الذي حاصر مدينة أورشليم عام 586 قبل الميلاد ودمر هيكل سليمان وأسرَ العديد من اليهود، وهو الحدث الذي اشتُهِر تاريخيًا بالسبي البابلي.

أما اسم المدينة الأخيرة للبشر زيون Zion، فتعني صهيون، وهو اسم مكان ورد في الكتاب المقدس يُشير إلى أحد الجبلين اللذين بنيت عليهما مدينة أورشليم أو القدس، حيث أسس النبي داود عليه السلام عاصمة ملكه.

أما سايفر Cypher فتعني شيفرة، وقد أدى دورًا غامضًا في تطور القصة، وترينيتي Trinity تعني الثالوث المقدس، واسم أوراكل Oracle يعني وحيًا أو إلهامًا.

وأخيرًا المختار The One، فهي الفكرة المتواترة في كثير من الثقافات والديانات، ويُشار بها إلى الشخص الذي سيأتي في آخر الزمان ليُقيم العدل في الأرض وينشر المساواة بين البشر، وهو عند الهنود فيدا Veda، وهو الإله تموز Tammuz في الحضارة السومرية، وسوشيانت Saoshyant عند الزرادشتيين، والمسيح المخلص The Messiah عند اليهود، والمسيح عيسى Jesus Christ عند المسيحيين، والمهدي المنتظر عند المسلمين.

هل لاحظت أن أغلب الأسماء في القصة تحمل إشارات أو تعود إلى مرجعيات دينية أو عقائدية؟

لا نتشغل الآن بهذا الأمر، فما زال الوقت مبكرًا جدًا.

***

The oracle
كاد نيو أن يفقد عقله جراء التنافر المعرفي الذي ضرب وعيه، فليس سهلاً أن يلغي الإنسان كل ما عرفه وتعلمه وآمن به في لحظة كي يتبنى أفكاراً ومعتقدات جديدة، غير أنه ما لبث أن استوعب الحقيقة، وفي حربه ضد الآلات كان عليه أن يواجه عدة مصاعب، أولها وأهمها الإيمان والثقة بنفسه، وثانيها العملاء، وهي برامج في صورة بشر لهم قدرات خارقة ومهمتهم ملاحقة المتمردين على المصفوفة، أو الذين تنتابهم الشكوك بشأنها.

وبعد سلسلة من الأحداث الدرامية، يؤمن صاحبنا بنفسه، ويصدق بأنه المختار المُنتظر ذو القدرات الخارقة التي تجعله يرى المصفوفة على حقيقتها: «مجرد أكواد برمجية»

وعندما التقى العرّافة للمرة الثانية، اكتشف أنها ليست بشرًا وإنما برنامج حاسوبي صممته الآلات ووضعته في المصفوفة لهدف ما.

قالت له العرافة إن هناك برمجيات داخل المصفوفة يتم محوها بين الحين والآخر، ومحوها يعني إرجاعها إلى كود المصدر، لكن هذه البرمجيات تهرب من عملية الحذف وتتخفى بين الناس داخل عالم المصفوفة.

ثم أخبرته أنه لا بد أن يصل إلى هذا المصدر، وحين وصل بعد مشقة، وجد صانع المصفوفة نفسه بانتظاره كي يخبره بالحقيقة الكاملة والصادمة، قال: إن هذا العالم «المصفوفة» كما يعرفه الناس ليس النسخة الأولى وإنما النسخة الثالثة، فالنسخة الأولى تم تصميمها بلا شرور أو أحزان كي يعيش فيها الوعي البشري بسعادة دائمة، لكن هذه النسخة فشلت وراحت الناس تموت بكثرة؛ لأن وعيهم يرفض هذا العالم.

فعملوا على تصميم النسخة الثانية على النقيض من النسخة الأولى مليئة بالشرور والأحزان والهموم، لكن النتيجة لم تتغير.

أخيرًا فهمت الآلات أن المفتاح يكمن في الإرادة الحرة، فإذا شعر الوعي بقدرته على الاختيار فإنه يكمل حياته مقتنعًا أنه صنع هذه الحياة بنفسه، وأنه صاحب القرار فيها، وأن قناعاته لا تُملى عليه إنما هي نتاج عقله وفكره.

لكن الإرادة الحرة مرتبطة بالشك، وعليه فيجب أن يُسمح للبشر المسجونين في المصفوفة بالشك في طبيعة العالم من حولهم، ولن يُشكّل هذا خطرًا كبيرًا لإن الشك في حد ذاته درب شاق ولن يسلكه إلا القلة، أما الأكثرية فسوف تختار العالم كما هو وتسعد به.

وعلى وفق هذا المبدأ تم تصميم النسخة الثالثة من المصفوفة، لكن المعضلة تكمن في القلة التي تصل عن طريق الشك إلى الحقيقة وتكشف تلك الأكذوبة الكبيرة لغيرهم، ومن ثَم يختل النظام.

إذن فالحل أن تقوم الآلات نفسها بإيقاظ شخص واحد، تمنحه قدرات تفوق البشر كي يتجمع حوله أصحاب الشكوك، وفي مرحلة ما يُسمح له بالوصول إلى صانع المصفوفة الذي يعرض عليه خيارًا من اثنين:

الأول أن يترك الآلات تُدمر مدينة زيون Zion، ومن ثَم يموت المستيقظون كلهم دفعة واحدة ويموت هو أيضًا بعدما يختار ثلاثة وعشرين شخصًا يتم إيقاظهم.

ثم تخبرهم العرّافة بأن المختار سوف يعود مجدداً فيتعلقون بالأمل ويبنون المدينة من جديد ويُعيدون الدورة نفسها معتقدين أنهم أول المستيقظين.

والخيار الثاني أن يرفض ويستمر في المقاومة؛ والنتيجة سوف تنهار المصفوفة كلها ويموت البشر جميعًا وينقرض الجنس البشري.

بالطبع، الخيار الأول هو الأرجح، وهذا ما اختاره خمسة قبل صاحبنا نيو، أي أن هذه الدورة التي حكى عنها صانع المصفوفة تمت خمس مرات من قبل استغرقت كل منها مائة عام، لكن كان لصاحبنا رأي مختلف أدى في نهاية المطافِ للوصول إلى معاهدة سلام بين البشر والآلات، ونتج عن ذلك نسخة رابعة من المصفوفة بها مساحة أكبر من الحرية للبشر.

وبهذا انتهت أحداث الجزء الثالث الذي صدر عام 2003.

***

واستمرت القصة الخيالية بالتطور الدرامي والإضافات في عالم الألعاب والقصص المصورة، ففي وقت لاحق، ظهرت بين البشر في المصفوفة جماعات لها أهداف متباينة تصل إلى حد التضاد أحيانًا.

جماعة ترغب في تحرير الناس، وآخرون يهدفون لتأجيج نار الحرب بين البشر والآلات، وجماعة ترغب في تقييد الحريات وإخفاء الحقيقة لأن الجهل في اعتقادهم «نعمة».

The Matrix Resurrections

وبعد 18 عامًا، وفي عام 2021، صدر الجزء الرابع من السلسلة بشخصيات من المستيقظين الجدد بعدما مات الأبطال القدامى، إلا أن القصة افترضت أن الآلات احتفظت بشفراتهم الوراثية كي يعودوا إلى الحياة ناسين بطبيعة الحال حياتهم السابقة.

كان البطل نيو Neo في حياته الجديدة شخصًا عاديًا يعمل في إحدى شركات تصميم وبرمجة الألعاب الإلكترونية، وعندما التقى حبيبته في الحياة السابقة ترينتي Trinity أحس بالإحساس نفسه الذي يمر علينا حين نلتقي شخصًا للمرة الأولى؛ شعر بأنه يعرفها.

كان نيو «الجديد» مصابًا باضطراب نفسي، وتراوده بعض الهلاوس من حين لآخر، لذا كان يتردد على أحد الأطباء النفسيين الذي أخبره بأن هذه النوبات سببها ضغوط العمل، وأن عقله يرفض الواقع المتعارف عليه ومن ثَم يخلق أوهامًا وخيالات ليهرب من تلك الضغوط.

دأب الطبيب على علاجه بحبوب زرقاء لتخفف من وطأة هذه الهلاوس، وهنا تلميح ذكي لأنها الحبة نفسها التي عرضها مورفيوس Morpheus على نيوNeo «القديم» في البداية كي ينسى كل شيء عن المصفوفة إن أراد ذلك، ويعود إلى عالم الأوهام ظنًا منه أنه العالم الحقيقي.

قرر صاحبنا إيقاف العلاج والتخلص من الحبوب الزرقاء، واستسلم قليلًا للهلاوس، والتقى مرة أخرى بحبيبته السابقة التي أصبح اسمها «تيفاني».

وفي أحد الأيام التقاه مورفيوس «الجديد» وحاول تذكيره بالماضي، وأخبره أن الهلاوس التي تنتابه على عكس ما يظن، فهي العالم الحقيقي، ثم عَرَض عليه الحبة الحمراء.

رفض نيو تناولها هذه المرة.

فجأة، اقتحمت قوات الشرطة المكان وكاد نيو يلقى حتفه، لكنه استيقظ فجأة وكأن كل ما رأى مجرد نوبة من نوبات الهلاوس، ثم تدهورت حالته أكثر بعد أن بدأت ذكريات الماضي تهاجمه بقوة عقب توقفه عن تناول الحبوب الزرقاء، وصعد فوق المبنى محاولاً القفز مثلما فعل سابقًا، إلا أن إحدى المستيقظات الجدد أنقذته ونقلته لمقابلة مورفيوس الذي استمر في تذكيره بالماضي.

وافق نيو هذه المرة على تناول الحبة الحمراء، لكن عوضاً عن الانتقال إلى العالم الحقيقي وجد نفسه أمام الطبيب النفسي الذي حاول إقناعه بأن كل ما يحدث ليس إلا خيالات وهلاوس.

لكن الفتاة التي أنقزته دفعته بقوة عبر المرآة، وخرج نيو أخيرًا إلى العالم الحقيقي.

Agent Smith

كان أهم ما يشغل عقله تحرير حبيبته السابقة ترينتي، بيد أن المستيقظين أخبروه أنهم لا يستطيعون إيقاظ أحد ما لم يرد الاستيقاظ بإرادته، لذا جازف بالدخول إلى عالم المصفوفة مجدداً لإنقاذها، وهناك قابله العميل سميث Smith الذي كشف له أن الطبيب النفسي هو نفسه المهندس الجديد الذي قام بتصميم المصفوفة، ثم طلب منه أن يغادر عالم المصفوفة فوراً، فرفض نيو وأصّر على تحرير ترينتي، وعندما قابلها -وكانت لا تذكره بالطبع- أخبرته أنها رأته في أحلامها.

فجأة، اختفت وظهر مهندس المصفوفة الذي أخبره أن اقترابه من ترينتي سيكون له عواقب وخيمة، لكن نيو أصرّ وحاول تذكيرها بالماضي، غير أنها رفضت الحقيقة.

في تلك الأثناء، عرف فريق المستيقظين أن خروج نيو من المصفوفة سيؤدي إلى زعزعة النظام ولا بد من عودته وإلا ستقتل الآلات حبيبته ترينتي كي يعود الاستقرار.

كانت الخطة هي فصل جسد ترينتي من الكبسولة والإبقاء على عقلها متصلاً بالمصفوفة انتظاراً لقرارها بالاستيقاظ، إذ إنهم لا يستطيعون إيقاظها ما لم تختر هي ذلك.

عاد نيو إلى عالم المصفوفة مراهنٌ على رغبة حبيبته في الاستيقاظ، وإلا سيرجع طواعيةً إلى الكبسولة ليعود عبداً للآلات كما كان.

ومثل كل القصص الجميلة، نجح صاحبنا بصعوبة في مهمته، وقرر الحبيبان إعادة بناء العالم من جديد.

***

إن هذا الخيال الجامح في تلك القصة يُغازل العقل بإشارات وعلامات.

فالناس في عالمنا يملكون معلومات وخبرات وثوابت وبديهيات وحياة كاملة تتألف من أحداث وصراعات وذكريات، فماذا لو جاء أحد وقال لهم بأن كل هذا وهم، وأن هذا العالم ليس حقيقيًا، أو على الأقل أُخفي عليهم أكثر مما بدا، وكان يملك أدلة عقلية ومنطقية على ما يقول؟

لا شك في أن النائمين الذين ينعمون بنوم عميق سوف يتذمرون منه، لأنهم لا يريدون الاستيقاظ، لذا لا يمكنه إيقاظهم مهما فعل.

إنهم يغطُّون في ثبات تحت ظلال عقولهم المستريحة، يتقبلون العالم كما قُدم لهم، يؤمنون بحقائق تعلموها منذ الصغر ويفضلون الراحة في ظل التجاهل على التطلع إلى حقائق تقلب المفاهيم، وتقضُّ المضاجع، وتُغير الموروث، لذا يختارون الحبة الزرقاء.

أما الذين يملكون القدرة على التفكير الحر والشك، وتغمرهم روح البحث والمغامرة، فحتمًا سيختارون الاستيقاظ حتى لو كان مرهقًا أو مؤلمًا، فالموت بين أحضان الحقيقة مع الألم، أفضل من الحياة في عالم من الأكاذيب أو الافتراضات المريحة

إن العالم الحقيقي مختلف تمامًا عن العالم الذي نراه ونعيشه ونتقبله كما هو وكأنه برنامج حاسوبي تمت فيه برمجة عقولنا كي ترى ما يريدون لها رؤيته، وتعمى عن حقائق واضحة كوضوح الشمس

قصة المصفوفة هذه رغم أنها قصة خيالية، إلا أنها مدخل هام لما نريد قوله، وتلميح ذكي للعقول التي تريد الاستيقاظ.

وثائقي: قبضة من أثر الرسول - الجزء المعرفي | الحلقة رقم: 01