ترانيم

منذورةً للكلمة، تستفيق الروح على وقع "ترانيم"، ديوان الشاعر محمد حسني نصار. ليس هذا مجرد جمعٍ للشعر، بل هو رحلةٌ عبر دروب الوجدان، حيث تتشابك مشاعر الحنين بالفقد، وتتجسد الآلام في صورٍ تخترق صمت الروح. النصائر يرسم ببراعةٍ لوحاتٍ دامعةٍ لواقعٍ مرير، لكن بين طيات الحزن، تومض شعلة أملٍ، تتجسد في الإيمان والعزيمة. إنها دعوةٌ صريحةٌ للنهوض، للمقاومة، ولتجديد العهد بالقيم والمبادئ التي طالما آمن بها الإنسان. هذه القصائد ليست مجرد كلماتٍ متناثرة، بل هي صرخاتٌ عميقة، تتردد صداها في أعماق كل من عاش مرارة الظلم وقسوة الغياب، وتدعونا للبحث عن السلوى في رحاب الإيمان، والتسلح بعزيمةٍ لا تلين في وجه قساة القلوب. ترانيم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjrlxvhVvK51VZkGTS-tuK00I0-2bf0ZrMFLt4e-5RNgEdtUg5CdgC9yK5WwMwzPyAKXAmAvQpeeb_bFXwJbUG1cEUtzquFb3uiquZZU0IUwPSJBbZn2r7kfZDJ_KvcckbMNat7gusbXZsim4VI_b8QomaRuROahd8mDKnzcYMCS4Gd-h0GMefnhIA1Suc/s320/186.jpg

منذورةً للكلمة، تستفيق الروح على وقع "ترانيم"، ديوان الشاعر محمد حسني نصار. ليس هذا مجرد جمعٍ للشعر، بل هو رحلةٌ عبر دروب الوجدان، حيث تتشابك مشاعر الحنين بالفقد، وتتجسد الآلام في صورٍ تخترق صمت الروح. النصائر يرسم ببراعةٍ لوحاتٍ دامعةٍ لواقعٍ مرير، لكن بين طيات الحزن، تومض شعلة أملٍ، تتجسد في الإيمان والعزيمة. إنها دعوةٌ صريحةٌ للنهوض، للمقاومة، ولتجديد العهد بالقيم والمبادئ التي طالما آمن بها الإنسان. هذه القصائد ليست مجرد كلماتٍ متناثرة، بل هي صرخاتٌ عميقة، تتردد صداها في أعماق كل من عاش مرارة الظلم وقسوة الغياب، وتدعونا للبحث عن السلوى في رحاب الإيمان، والتسلح بعزيمةٍ لا تلين في وجه قساة القلوب.

ترانيم شعر 186 108 يناير 2019 yes 201091985809 محمد حسنى نصار كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhgXijyKGnXm27-kmDRV491jHe2_arzWUfLwy_MF7RgpG5pbpjzFJorUgnqk00rxTDuOsfJFBt1dVOSYK-b6h1YRXAnSRvXRU-ScGS-g1kW7vKEkhg4d39XAOj_7PUn5FC9i8Iu62Sih_5ApHXbA8pLHIUiC40ad8qXBas79wGmaU08Fg-_KaZpAuVE8aQ/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AD%D8%B3%D9%86%D9%89-%D9%86%D8%B5%D8%A7%D8%B1.jpg

أنفاس الشعر لا تخمد ما دام في الصدر زفرة حرى، وفي الروح حنين يقتات على الذكرى، وهذا ما نلمسه في ديوان "ترانيم" للشاعر محمد حسني نصار. يفتتح الشاعر عتبات نصه باستحضار اسم الله، لا من قبيل العادة، بل بوصفه فاتحة الوجود ومستقر اليقين، فالحروف عنده تبدأ بالبسملة لتكتمل المعاني وتنجلي هموم الجبين. هو يكتب بوعي الكادحين الذين لم يقصدوا الشعر ترفاً، بل وجدوا فيه نغمة حسرات تنبعث من جوف سجين، أو صرخة ضمير يرجو السلام في عالم تضج فيه الصراعات. العاطفة في هذا الديوان تنسال كأنها نهر عطاء يتدفق في فضاء من الشوق الفريد، حيث تبرز صورة الأب الغائب كأيقونة وجود، والأم كمداد للعمر، والزوجة كظل وارف يحمي حياض الأسرة من قيظ الحياة. إننا أمام تجربة إنسانية تجعل من الكلمة جسراً للعبور نحو الآخرين، أولئك الذين باعدت بينهم وبين الشاعر الأماكن، لكن عطر عبيرهم ظل فواحاً في كل أصقاع الأرض.

يستدعي نصار في تأملاته صورة الغريب الذي يطوف الليالي كأسراب الحمام، يبحث عن الأمان في زحام الأنام، ويناجي طيفاً يلوح في الأفق كحلم غدا في حياته حياة كاملة. تتجلى في قصائده رغبة عارمة في لقاء يبدد وحشة المساء، حيث تضيق الأرض بالبعد، وتطول الليالي في غياب الهوى، فلا يجد الشاعر ملاذاً سوى في دفء الحنين الذي يهدأ به حسه. وكما يقول الروائي ميلان كوندرا إن "الذاكرة لا تحتفظ بالضياع بل باللحظات التي هزتنا"، نجد نصار يحتفظ بظلال اليقين في غمرة الشقاء، منتظراً انبلاج الفجر من رحم الظلام. هو لا يكتب شعراً مجرداً، بل ينحت من بقايا الكادحين قصصاً تروي معاناة الذين عانوا صمت الليل الثقيل، وطاردوا أحلاماً في دروب هزيلة غفت في العناء. الموسيقى الداخلية في أبياته تشبه هدوء الهديل، تمس الروح كنسيم عليل يمد اليد بالصفاء في لحظات التجلي الإنساني.

ينتقل الشاعر من الذاتي المحض إلى الهم الجماعي، فيرصد بمرارة ما يسميه أخلاق القرن العشرين، حيث يرى زماناً تبدلت فيه الألوان، وغابت فيه القيم الفاضلة التي تحفظ كرامة الجنس البشري. يصور نصار العالم كغابة بدت فيها للوحوش أظفار وأنياب، حيث تئن حمامة الغار من وطء النعال، وتختنق المآذن بنداءات العذاب في زمن تساوى فيه الشريف مع اللئيم. هذه النبرة الحزينة لا تسقط في اليأس المطلق، بل هي صرخة تحذير من سراب الكهوف وضباب الصيف، ودعوة للنهوض من ركام الهزيمة النفسية. هو يستحضر في مخيلته رموز البطولة التاريخية، متسائلاً عن غياب أمثال سعد ومعاذ وخباب، مؤكداً أن النصر لا يأتي إلا بالتآخي والتحاب والتمسك بجوهر الحق. الشاعر هنا يرتدي عباءة المصلح الذي يرى في العمل والجهاد والترفع عن الرقاد سبيلاً وحيداً لاعتلاء هام الحياة، بعيداً عن صمت الذئاب ونعيق الغربان الذي يملأ الآفاق.

تشتد نبرة القصيد حين يلتفت الشاعر إلى جراح الأمة، فيطلق صرخة حبيسة تعبر عن آلام ملايين المسلمين الذين ذاقوا مرارة التنكيل والاضطهاد في بقاع شتى. هي صرخة لا تعرف الرحمة للأعداء الذين استلبوا المرعى، وأكلوا الزرع، وعاثوا خراباً في الوادي، وبددوا أمن الأطفال. لغة الشاعر هنا تكتسي بالحدة والإباء، مؤكداً أن الكثرة لا تغني عن الحق شيئاً، وأن حزم النفس وعزمها هما الكفيلان بتحقيق النصر الذي يشفي صدور المؤمنين. يرى نصار نفسه خلف المعتدين في كل مكان، يطاردهم بكلماته وبثباته، مؤمناً أن الظلم مهما تطاول فإنه زائل أمام قوة اليقين. الديوان في جملته رحلة بين ترانيم الروح وعذابات الواقع، صاغها الشاعر بصدق من جعل الكلمة مسؤوليته الكاملة، لتقدم دار لوتس للنشر عملاً يرفض الاحتكار ويحتفي بحرية الكاتب في التعبير عن وجدانه ومعتقداته بلا قيود.