رقة النسائم

من تمتمات النفس المكلومة وفي سكون غسق الخيبات تنبثق رقة النسائم لتدثر الأرواح بهمساتها الشجية. إذ تأخذنا الكاتبة في رحلة وجدانية بالغة العذوبة والصدق لتلمس تلك الندوب الغائرة التي تركتها الأيام على ملامحنا وقلوبنا المنهكة. بيد أن التميز الحقيقي لا يكمن في البكاء على الأطلال فحسب بل في هذه الصياغة النثرية البديعة التي تعري هشاشة الذات أمام نوبات الخذلان. حيث تتحول العزلة من مجرد سجن موحش إلى ملجأ آمن ومأمن أخير تلوذ به المشاعر الفائضة بعد رحيل الأحبة وجفاف حدائق الورد. رقة النسائم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEggTj7axVZ55-0GgPGXuFnB8Sp9y8i9mudeifi3CvKersQOjOrcdOyxkgNsHYBCirCHJDpIaNn8StOwY7W10ZPDMmmlNjVULBcca4cdGEdlXNogwyY7dtUVZFfckpURdjJWb7yVhIb-pJCUeeNoKrk7SY0npHi1pyxdH2QTOMeeIEHxIHIZqnLMiGamDkg/s320/142.jpg

من تمتمات النفس المكلومة وفي سكون غسق الخيبات تنبثق رقة النسائم لتدثر الأرواح بهمساتها الشجية.

إذ تأخذنا الكاتبة في رحلة وجدانية بالغة العذوبة والصدق لتلمس تلك الندوب الغائرة التي تركتها الأيام على ملامحنا وقلوبنا المنهكة.

بيد أن التميز الحقيقي لا يكمن في البكاء على الأطلال فحسب بل في هذه الصياغة النثرية البديعة التي تعري هشاشة الذات أمام نوبات الخذلان.

حيث تتحول العزلة من مجرد سجن موحش إلى ملجأ آمن ومأمن أخير تلوذ به المشاعر الفائضة بعد رحيل الأحبة وجفاف حدائق الورد.

رقة النسائم خواطر 142 144 ديسمبر 2018 yes 201091985809 رانيا لبيب كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhbOPthbGDE0MZRH1iln5vKgwnHbwZjYMtj4Qo8KwhQPEzdB93fBpzejxpnWqBXWujt_45shDCd2kwK5RieZFEAvPfiWTi2WYey2aIvB2zgy8Ys2EggLXzb64g5cqT8azYbpGemqgesnm6prnF-9sBttgMWc0WABlkc33kiaz9ux9NdR4QMBq_U5vrAnmw/s800/%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A8.jpg

تنطلق هذه الخواطر الوجدانية والنثرية الشفافة من أعماق التجربة الإنسانية المترعة بمرارة الفقد لتصوغ لوحات شعورية دافئة تتمحور حول تقلبات الذات وانكساراتها.

إذ تفتتح المؤلفة صفحات إصدارها بنبرة شجية تفيض بالولاء للكلمة الصادقة التي تحيي تمتمات النفس وتجعل منها قناديل مضيئة تحلق في سماء الحيرة والترقب.

حيث يتشكل الجو العام للكتاب كرحلة سيكولوجية هادئة تبحث فيها الروح المغتربة عن واحة سلام تقيها جفاء الواقع وصدمات الخذلان المتكررة التي واجهتها بصلابة.

ومن هنا تفيض العبارات بتساؤلات وجودية مستمرة حول ماهية الأيام التي تعبرنا دون أن تترك ندوباً يصعب إخفاؤها في ملامحنا أو في دموع عيوننا بلحظات الضعف الشديد.

وعلى هذا الأساس يتبدى لنا المناخ الإبداعي كمرآة عاكسة للصراع الأزلي بين رغبة الإنسان في البقاء متزناً وبين انصياعه القهري لآلام الفراق وأوجاع الحياة المضنية.

يتجلى البعد التحليلي للخواطر عند رصد حالة التناقض المحتدم بين وعود الشغف القديمة وبين واقع العزلة المفروض الذي بات الملجأ والمأمن الوحيد للروح الهشة.

إذ يعمد النص إلى استحضار رموز طبيعية دافئة كبساتين الورد والياسمين وعزف الطيور ليجعل منها خلفية متباينة تعمق الإحساس بالوحشة عندما تجف تلك الجنائن فجأة.

في المقابل تنشأ مناجاة داخلية مؤثرة تعبر عن نضج الإنسان وتمتعه بإنسانية تليق بفكره وعقله مما يحتم عليه ترك أثر طيب في نفوس الآخرين رغم تبدل أحوالهم.

ولذلك تصبح الكلمات بمثابة الملاذ الأخير والوحيد للشاعرة تبوح من خلاله بمكنون صدرها الممتد وجعاً بعدما سئمت مجاراة الود بالود مع أرض ناكرة للعطاء والماء.

فضلاً عن ذلك نرى حضوراً طاغياً لثنائية الصمت والبوح حيث يستحيل الصمت العاجز مرثية فراق ونصاً مخملياً غارقاً في شجونه وعصياً على الاختراق أو التفسير التقليدي.

يتسع نطاق التشويق العاطفي مع تتابع النصوص التي تتنقل بسلاسة بين لوعة الفقد الفردي وبين محاولة العيش بحياد تام مع الآخرين دون استجداء اهتمام.

غير أن النسيج السردي يأخذ منعطفاً حاداً حين يتحول العتاب الرقيق إلى رغبة عارمة في الغياب والهروب نحو أركان الانتظار ومقاعد المدينة الباردة التي خلا منها الأحبة.

إذ يتبين من خلال الغوص في الأبجديات أن الكاتبة برعت في خنق لغة الفرح لتنطق فقط بما يحمل معنى الآه ممتدة خلف أقواس الكآبة والذهول.

ومن ثم يصبح الديوان معزوفة روحية متكاملة تدرس أثر الصدمة العاطفية وكيف يمكن للحرف أن يستحيل رداء للبكاء وسياجاً يحمي ما تبقى من شفيف الابتسامة المهددة.

بل إن المؤلفة تفلح ببراعة في ربط هذه المقاطع المتفرقة برابط درامي متين يجعل من "النسائم" حاملاً لرسائل الشوق وممرات الروح العطشى لمطلع اللهفة النبيلة.