ولاد الشيخ

حملتْ روحهُ أغصانَ النخيلِ، وبذرتْ في تربةِ الواقعِ حبًّا لا يدركُ حجمَهُ إلا من ذاقَ مرارةَ البُعدِ. راسمًا على وجهِ الصحراءِ ألوانَ الحياةِ، ناسجًا بحرفِهِ قصائدَ عن وحدةٍ تعانقُ الحداثةَ، وعن سلامٍ يصدحُ في أرجاءِ الوطنِ. لم تكنْ مصرُ لديهِ مجردَ أرضٍ تسكنُها المصالحُ، بل كانتْ نبضَ القلبِ، تتغنى بها الروحُ قبلَ أنْ تُحصيها العقولُ. هو ذلكَ العاشقُ الأبديُّ للأرضِ، الذي تركَ في أبنائِهِ إرثًا من الحبِّ الصادقِ، دراويشَ للطريقةِ الإمارتيةِ في عشقِ مصرَ. الشيخُ زايدُ، اسمٌ يترددُ صداهُ عبرَ السنينَ، حاملاً معهُ حكمةَ القائدِ وفلسفةَ الأبِ الحاني، الذي آمنَ بأنَّ بناءَ الأممِ يبدأُ من بناءِ قلوبٍ تتسعُ للمحبةِ والسلامِ. ولاد الشيخ
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgPnu5YfupNUunO010VEErZS5yFpEeuqLJm6QqBq3cfYveEo4wsCb39GXR5UWvNEARGNLPCO1-mEnej3WBoUrTLdkN6niA_RL0zezbIzjFMOMKf_0iQBtDJPQzmx8_4jJdkC-k-aMx6gJE6WdYSR6huVuy8e1JXsJSyvLuiFGj7u6kQKI7jMLXbqQG9fIM/s320/173.jpg

حملتْ روحهُ أغصانَ النخيلِ، وبذرتْ في تربةِ الواقعِ حبًّا لا يدركُ حجمَهُ إلا من ذاقَ مرارةَ البُعدِ. راسمًا على وجهِ الصحراءِ ألوانَ الحياةِ، ناسجًا بحرفِهِ قصائدَ عن وحدةٍ تعانقُ الحداثةَ، وعن سلامٍ يصدحُ في أرجاءِ الوطنِ. لم تكنْ مصرُ لديهِ مجردَ أرضٍ تسكنُها المصالحُ، بل كانتْ نبضَ القلبِ، تتغنى بها الروحُ قبلَ أنْ تُحصيها العقولُ. هو ذلكَ العاشقُ الأبديُّ للأرضِ، الذي تركَ في أبنائِهِ إرثًا من الحبِّ الصادقِ، دراويشَ للطريقةِ الإمارتيةِ في عشقِ مصرَ. الشيخُ زايدُ، اسمٌ يترددُ صداهُ عبرَ السنينَ، حاملاً معهُ حكمةَ القائدِ وفلسفةَ الأبِ الحاني، الذي آمنَ بأنَّ بناءَ الأممِ يبدأُ من بناءِ قلوبٍ تتسعُ للمحبةِ والسلامِ.

ولاد الشيخ شعر عامية 173 96 يناير 2019 yes 201091985809 حاتم العمدة كاتب مصري

يُفضي بنا الشيخ حاتم العمدة، شاعر العامية الذي يسكب الحبر على الورق في عام 2019، إلى ديوانه "والد الشيخ"، حيث ينسج من خيوط الواقع قصائد تتراقص على أوتار الوجدان. ليست هذه مجرد كلمات، بل هي لوحات مرسومة بفرشاة الأديب المثقف، تدعونا للتأمل في أغوار النفس والمجتمع. تتجلى في قصائده روح الأصالة ممزوجة برؤية عصرية، مستحضراً فيضاً من المشاعر الإنسانية الصادقة، بعيداً عن خطابة الواعظ أو بريق الزائف.

يُهدى هذا العمل إلى روح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رمز الحكمة والعطاء، الذي أرسى دعائم الوحدة والأمان في وطنه، وجعل منه منارة للمحبة والسلام. في هذا السياق، تتجسد مصر في قلب الشيخ العمدة كعاشقة أبية، لا تربطها السياسة بالمصالح، بل تمتد جذور حبها إلى ما هو أعمق، إلى ارتباط وجداني يسبق العقل. مواقف الراحل مع مصر كانت تأكيداً على صحة المعيار الذي اعتمدوه في معرفة الرجال، وأنه بالفعل "عاشق لمصر، حافظاً لقدرها"، فعشقته مصر بدورها، وحفظت له ذلك في أبنائه الذين ساروا على دربه.

تتلمس في قصائد الديوان صدىً لمفكرين كبار، كأنك تستمع إلى حوار بين الشعراء والفلاسفة. يتحدث عن الواقع بوصفه "متمرد الماضي"، حيث يعيش الإنسان بين حلم الغد وواقع الأمس، ساعياً للتصالح مع الذات ومع الزمان. يندد بالسياسة التي تفرق الأمة، ويدعو إلى تركها لأهلها، رافضاً أن تُظلم أو تُنسى في كهوف التجاهل.

في تجوالنا بين صفحات الديوان، نصادف "عروس البحر الأحمر"، حيث يرسم صوراً بديعة للشواطئ المصرية، من المرجان والشعاب إلى المنتجعات والفنادق الفاخرة. إنها دعوة للسياحة الثقافية والطبيعية، لاستكشاف ما تزخر به مصر من كنوز، من وادي الحمامات إلى محميات البحر الأحمر، ومن أثر الرومان إلى كنوز الغوص في الجونة. يتغنى بجمال الغردقة، تلك المدينة التي تحتضن سحر الصحراء والبحر، وتدعو العشاق إلى سياحة لا متناهية.

تنتقل القصائد بنا إلى "طوق جناة"، حيث يتغنى بالصداقة الوفية، تلك التي تقف كحارس على الروح، وكظل وارف يحتمي به الإنسان من قسوة الدنيا. يصف الصديق بأنه "زاد الطريق"، و"درع يحمي من خطايا الزمن"، وأن الصداقة الحقيقية تُصنع في الشدائد، وأن الرجال هم من يصنعونها. يعبر عن امتنانه العميق لصاحب الوفاء، الذي يدافع عنه ويبيه، ويعتبر جميل صديقه ديناً يحمله على رقبته.

ثم يأتي "شراعي"، حيث تتجسد الروح الشابة العاشقة، التي تعبر عن مشاعر الحب والوفاء بصدق وجرأة. يصف المعاملة الطيبة، والمواقف النبيلة، وكيف أن الصديق الحقيقي هو من يثبت معدنه وقت الشدة. يعترف بأن معرفته بالصديق كانت سبباً في قوته، وأن الرجولة تظهر في وقت الأزمات.

في "وملء حُبي"، تتكشف مشاعر أعمق، حيث يتساءل الشاعر عن وقت الحب، وعن اللحظة التي تتصفى فيها النفس وتنسى الألم، وتسامح الأخطاء، وتعود إلى طبيعتها الهادئة. إنها دعوة للتصالح مع الذات ومع الآخرين، ولنشر المحبة والسلام.

تتجسد في "عُدوان وأصاحل" رؤية نقدية للمجتمع، حيث يصف كيف أن الناس يبتعدون عن الونسة والجلوس مع الأصدقاء، وكيف أن الملل والغربة يسيطران على النفوس. يرى أن الابتسامة قد اختفت، وأن الفرحة أصبحت بعيدة، وأن الحياة أصبحت مليئة بالعزلة والانقطاع.

يُشرق ديوان "والد الشيخ" بصباحات تحمل عبق الورد، تتغنى بجمال مصر، من النيل إلى بساتينها الخضراء. يستحضر الشاعر صوراً للمصريين، من العمال والصناع إلى الجنود الذين يحمون الوطن. تتجسد في هذه الصور روح العمل والجد، وحب الأرض، والتفاني في خدمتها.

يحتفي الديوان بـ"كل حاجة مزيفة"، فينتقد الكذب والزيف الذي يسود في المجتمع، ويشير إلى أن الألفة والمودة، والصدق والأصالة، أصبحوا عملة نادرة. تساءل عن سبب انحدار الذوق، وعن الأسباب التي جعلت النفوس تنفر من بعضها البعض، وتفضل المال والمصالح على القيم الإنسانية.

في "ساعة الضحكة الكبيرة"، يتغنى الشاعر بالأسرة، وبالقرايب، وبالأرحام، وبالعشرة التي كانت تجمع الناس. يتأسف على ضياع هذه القيم، وعلى ضعف الروابط الإنسانية، وعلى انتشار الأنانية والجشع. يدعو إلى استعادة القيم الأصيلة، وإلى بناء مجتمع يسوده الحب والوفاء.

في نهاية المطاف، يقدم لنا الشيخ حاتم العمدة نصاً أدبياً عميقاً، يلامس أوتار القلوب، ويدفعنا للتفكير في واقعنا ومستقبلنا. إنه يدعونا إلى البحث عن الأصالة في عالم يغرق بالتزييف، وعن الحب في زمن تندر فيه المشاعر الصادقة. شعره ليس مجرد كلمات، بل هو دعوة للحياة، وللتأمل، وللسعي نحو الأفضل.